حياد لبنان.. خيار استراتيجي بين نقيضين (12)… صبحي عبدالوهاب

تنشر ″سفير الشمال″ على حلقات كل يوم ثلاثاء دراسة حول طرح “الحياد” أعدها الباحث صبحي عبدالوهاب، وفيما يلي الحلقة الثانية عشر..

بات السجال السياسي المتشعب الذي يدور حول موضوع الحياد يشكل إنسياباً في النقاش المتعدد الوجوه وآراءاً متناقضة من خلال جهات مختلفة تناولت أطروحة الحياد كخيار ممكن او متعذر.  

وقد تحدث في هذا السياق  الوزير السابق روجيه ديب في حوار أجراه معه جورج شاهين على صفحات مجلة الأمن العام في عددها رقم 83 الصادر في شهر آب/ أغسطس من العام 2020  عن انواع الحياد والتجارب الشبيهة بالوضع في لبنان، مؤكدا على أهمية ما هو مطروح اليوم من بحث في هذا المجال خدمة للأمن والإستقرار في لبنان. فاشار ديب الى  الظروف التي تعيشها الدول وتدفعها الى طرح  الحياد،  بإعتباره سمة من سمات الدول الموجودة في حالتين: الأولى في ما يسمى دول الممرات المعروفة بـ Pays Corridorوهي دول تقع جغرافيا بين دول قوية كبيرة وهو ما قد يعرضها لمشاكل مشابهة لحال كمبوديا في آسيا وسويسرا في أوروبا. وما شهدته هاتان الدولتان من خضات تسببت بها دول مجاورة دفعت الى هذا التصنيف. والثانية هي الدول الصغيرة التي تقع في جوار دول قوية جداً،و تهددها دائماً، ويهمها أن تتقي شر أطماعها كما هي حال فنلندا في جوار الإتحاد السوفياتي  .الى ذلك، هناك أكثر من صنف من الحياد تظهره بعض التجارب الدولية، وهو الذي تفرضه بالإضافة الى الجغرافيا عوامل طائفية أو ثقافية أو أتنية. أولها الحياد الإستباقي كحال فنلندا بوجودها الى جانب الإتحاد السوفياتي، والتي كادت أن تذهب ضحية الحرب بين جارتيها روسيا والسويد.  

والثاني الحياد التعددي وهو ما إعتمدته دول تتكون في تركيبتها من خليط واسع من الطوائف أو الإتنيات والثقافات كحال سويسرا. فيتحول عندها الحياد مطلباً داخلياً وخارجياً أما الثالث فهو الحياد الإتقائي وهو يعتمد عندما تطلب دولة الحياد بطريقة مسبقة حال النمسا التي طلبت الحياد بعد الحرب العالمية الثانية كشرط روسي لرفع إحتلالها عنه وبعد إعلانها دولة حيادية إنسحب الروس من أراضيها وتجنبت مجريات الحرب على أرضها. على عكس ما جرى بالنسبة الى المانيا التي رفضت الحياد بناء على العرض الروسي نفسه في تلك الفترة فجرى تقسيمها بين شرقية وغربية لعقود من الزمن.

وحينما سئل ديب إنطلاقا عن تصنيفه للحياد المناسب للبنان، والتجارب الدولية التي يمكن الافادة منها إن توصلنا اليه؟ أجاب: “عندما طرحت الفكرة وكيفية تطبيقها في لبنان في محطة سابقة كنت أعد كتابي تحت عنوان لبنان المستقر، بينما كنت أستعرض ما عاشه لبنان من حالات الإهتزاز وعدم الإستقرار التي يتعرض لها من فترة الى أخرى. ولقد فكرت بعنوانين الأول يقول بمقومات تضمن البلد الذي يجب أن يعمل، والثاني وهو الأهم أنني فكرت بلبنان الذي يجب أن يبقى مستقراً في الحالين، ويبقى أن الأمر مرتبط بإستقرار خارجي وتفاهمات داخلية، فقلت أن لبنان بتعدديته لا يمكن أن يعرف الإستقرار خارج تفاهم أبنائه وإستقرار محيطه.  فلبنان بمكوناته الحالية من المسيحيين والسنة والشيعة بما لهم من إمتدادات خارجية دفعني الى القول إن لبنان ليبقى موحداً ومستقراً  ولضمان مستقبله يحتاج الى التفاهمات الداخلية لتجاوز الترددات الخارجية السلبية لكونه يقع فوق سلسلة من الفوالق الجيو – سياسية الكبيرة، ومنها فالق الصراع العربي – الاسرائيلي، والصراع الاميركي – الايراني، والصراع السني – الشيعي والصراع ما بين الغرب وروسيا .

لذلك فان التفاهم على عدم الإلتحاق بأي منها أمر ضروري وملح لحمايته من أي إهتزاز يشهده أي من هذه الفوالق المتحركة.  وهو حال التفاهم السويسري على الحياد الذي جنبها صراعاً كبيراً كان قائماً حولها بين كل من المانيا وفرنسا وإيطاليا وهو ما تحقق لاحقاً في مؤتمر فيينا عام 1815 الذي ضمنت فيه القوى الاوروبية وحدة الأراضي السويسرية وسلامتها وحيادها. كما أنهى الإحتلالات التي رزح تحتها الشعب السويسري، لكن ذلك لم يكتمل لو لم يقتنع المكون السويسري الألماني بخطر قيام الإمبراطورية الألمانية على شعوره بإنتمائه الى دولته. كل ذلك جرى من دون أن ننسى أن ذلك المؤتمر هو من أطلق فكرة الصليب الأحمر الدولي الذي إرتبط شعاره الحيادي في خدمة الإنسان من حياد سويسرا وإتخذ شعاره من الصليب الذي يتوسط علم الدولة. قياسا بما تقدم، أعتقد أن أي إستقرار منشود للبنان واللبنانيين يمكن أن يبنى على هذه التجربة. وهو أمر لحظه وكرسه ميثاق العيش المشترك العام 1943 عندما تم الإتفاق على موقع لبنان وتوجهاته فقال بنظرية لا شرق ولا غرب. وهو الميثاق الذي وفر الإستقرار للبلد المكون من مسيحيين ومسلمين، إذ لم يكن الصراع السني – الشيعي قد تطور الى ما هو عليه اليوم. الى هذه المعطيات هناك أكثر من توصيف وثائقي يوصف لبنان ويضعه على لائحة دول الممر ولذلك فهو يستحق الحياد.

وأعتقد ديب قائلاً: “انها  ليست المرة الأولى التي تطرح فيها بكركي هذه الصيغة، فقد سبق أن أصدرت شرعة العمل السياسي العام 2009 وقالت فيها على السلطة السياسية إعتماد آليات تحول دون تعطيل المؤسسات الدستورية والإبتعاد من سياسة المحاور الإقليمية والدولية وانه لا بد من الشعب بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية من السعي الى تحييد لبنان مع تعزيز قدراته الدفاعية. المذكرة الوطنية التي ساهم في وضعها الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي شخصياً قبل أن يكون بطريركا يوم كان راعياً لأبرشية جبيل المارونية عام 2014 قالت بحياد لبنان أيضاً.

وجاء في الصفحة الخامسة عشرة منها ما حرفيته أن حياد لبنان الإيجابي يترجم التجربة اللبنانية، فهو أنجح الطرق لحماية البلدان التعددية. وتجزم هذه المذكرة بأن حياد لبنان يرتكز على قوته الدفاعية وإلتزامه قضايا الأسرة العربية لاسيما القضية الفلسطينية. اما لماذا اليوم، فإعتقد ان البحث في موضوع الحياد أو التحييد او النأي بالنفس أيا تكن الفوارق في ما بينها، فإن ما طرح اليوم يبدو ضرورياً لإستعادة  التجرية التي عاشها لبنان منذ أن نال إستقلاله، وما قال به ميثاق 1943 وما جرى مع بداية الحرب في سوريا وتجنب نقلها الى الساحة اللبنانية. وهي عملية تكرست بالتوصل الى إعلان بعبدا، وهو الذي تحول وثيقة تاريخية حفظت في سجلات الأمم المتحدة وجامعة  الدول العربية، وأن التراجع عنه أوصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم. لا بد لي في هذه المناسبة من التذكير بأن اعلان بعبدا اقر وصدر بتوافق لبناني شامل، قبل أن يعلن لاحقاً عن سقوطه من طرف واحد. الى ذلك برزت مجموعة من التفاهمات التي غيرت نوعياً من تركيبة لبنان، وهو تغيير عبرت عنه بعض التفاهمات التي قادت الى تغطية وتبني مشاركة فئات ومجموعات لبنانية في أحداث دول خارجية. وهي التي أنتجت سلسلة من الأزمات لعل أبرزها ما رافق الإستقالة الإجبارية التي أعلنها الرئيس سعد الحريري في خريف 2017 من الرياض والتي لم تنته فصولاً  لو لم يلتزم لبنان الرسمي أمام أطراف دوليين وسطاء ومنها فرنسا، العودة الى مبدأ النأي بالنفس وإحترام مقتضياته. فالجميع يتذكر مضمون البيان الذي صدر في أعقاب التسوية في بداية تشرين الثاني من نهاية العام 2017 وتلي من منصة قصر بعبدا إيذانا بإلتزام ما تعهد به لبنان الرسمي. لما لم يلتزم لبنان ما تعهد به فقد أرجئت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويال ماكرون الى لبنان اكثر من مرة. وهو ما إنعكس أيضا على علاقاتنا العربية والغربية. وإن لم يكن هذا الوضع السبب الوحيد لما يجري اليوم في ظل تفشي الفساد والتلاعب بالمال العام وهدره، فقد تعاظمت المقاطعة الديبلوماسية وبلغت الأزمة الإقتصادية ما بلغته. وتعطلت السياحة وتوقفت المساعدات، وهو ما أدى الى إعادة الحديث عن مبدأ الحياد الذي بات حاجة للأمن والإستقرار بكل وجوهه.

والحياد الإيجابي يؤكد على إلتزام لبنان القضايا العربية والقضية الفلسطينية ويبنى على تعزيز القدرات الدفاعية للبنان، وهو ما جاء في الوثيقتين اللتين صدرتا عن الكنيسة وأشرت اليهما في بداية الحديث. وعلينا أن لا ننسى التشابه القائم بين ما يجري في لبنان وما شهدته بلدان اخرى نالت حيادها. فنحن في لبنان في حاجة الى كل أنواعه، ومنها الحياد الإستباقي كما الحياد الذي تستحقه دول الممرات والدول التعددية. كما إنه جزء من الدفاع الوطني الذي إعتمد في بلدان عدة كما حصل في سويسرا التي حماها حيادها في الحربين العالميتين والتي جنبت النمسا من أن تكون من دول الإتحاد السوفياتي بعد تحررها إثر إعلانها الحياد وبقيت دولة موحدة على عكس ما شهدته ألمانيا من حالة تقسيم الى شطرين لعقود من الزمن.

إلا أن الفشل في حماية مبدأ النأي بالنفس لا يحتاج الى إثبات فهو أمر واقع، فلم تستطع الدولة اللبنانية حماية مقتضياته بالرغم من إقرار المبدأ في سلسلة البيانات الوزارية للحكومات منذ العام 2013 قبل إعلان بعبدا ومن بعده.

لذلك، فان طلب دعم الأمم المتحدة والفاتيكان ومساندتهما مرده الى أن لا قدرة للدولة اللبنانية على تحقيق ذلك. فلبنان لا يملك اليوم كامل حريته، لذا فإن طلب معونة الأمم المتحدة ودول أخرى باتت خطوة الزامية، بعدما إرتفع  الصوت اليوم لينادي بالحياد وما لقيه من موافقة لدى فئات لبنانية واسعة. الى ذلك، لا بد من الإعتراف بأن الفكرة نالت حقها من التأييد. ولا يمكن التجاهل أنها أدخلت مفهوماً جديداً للحل في لبنان، وباتت في رأيي خياراً ممكناً لجزء كبير من اللبنانيين يقود الى الإستقرار.

وإعتبر عضو المجلس الدستوري سابقاً الدكتور أنطوان مسرة أن  صرخة البطريرك الكاردينال بشارة الراعي في 5 تموز / يوليو من العام 2020  في شأن الدعوة الى حياد لبنان نابعة من أعماق تاريخ لبنان، منذ 1860 بشكل خاص، ومواثيق لبنان وميثاق جامعة الدول العربية ومعاناة اللبنانيين المشتركة في الحروب من أجل الآخرين، وهي نابعة أيضاً  من ضرورة إستعادة الشرعية اللبنانية والعربية والدولية.  لذلكيرى مسرة  أن الدعوة الى تحييد لبنان ليست تعبيراً عن معارضة أو موالاة، بقدر ما هو  صرخة من الذين يريدون بعد اليوم التعلم من التاريخ والعدول نهائياً عن آلية التكرار لمغامرين ومقامرين، ما يهدد حياة الوطن وإنتماءه العربي وعلاقاته ورسالته ومستقبل الأجيال. إن الدعوة الى تحييد لبنان ليست مطلباً جديداً، أو مطلباً  مناقضاً  للدستور اللبناني وميثاق جامعة الدول العربية وإلتزامات لبنان الدولية. وفي ظل إنقسام اللبنانيين من حولها فإن تحييده يمكن أن يتحقق من إيمان اللبنانيين أولا بدولة لبنانية واحدة لا بدولتين، وجيش واحد لا جيشين، وإلتزام ما يقول به الدستور في مقدمته: لبنان عربي الهوية والإنتماء.  

ثم ثانياً مساندة عالمية ثابتة. فتحييد لبنان هو إستعادة، بعد طول إختبار ومعاناة مشتركة، لإعلان بعبدا.


مواضيع ذات صلة


 

Post Author: SafirAlChamal