حياد لبنان.. خيار استراتيجي بين نقيضين (8)… صبحي عبدالوهاب

تنشر ″سفير الشمال″ على حلقات كل يوم ثلاثاء دراسة حول طرح ″الحياد″ أعدها الباحث صبحي عبدالوهاب، وفيما يلي الحلقة الثامنة..

تابع البطريرك الماروني بشارة الراعي أمام الحشود التي صعدت الى بكركي قائلاً: “أنتم الـذين هُنا، والذين هناك وراء البحار تشاركوننا هذه اللحظات عبر محطات التلفاز. جميعكم تُشكّلون مصدرَ ثقتِنا بالمستقبل. أنتم مستقبلُ لبنان ولبنانُ المستقبل. لبنان للجميع أو لا يكون، والجميعُ للبنان أو لن يكونوا. مجيئُكم اليومَ من كلِّ مكانٍ يُجدّد الأملَ ويطردُ الإحباط. مجيئُكم يؤكّد أنَّ ما من حقٍّ يموتُ ووراءه مطالِبٌ ومواطنةٌ ومواطنٌ ومناضلٌ ومقاومٌ وثائرٌ وشعب.

وفي مقابلة مع قناة الحرة في 1 آذار 2021 عاود البطريرك الراعي الإشارة الى أن ما يدفعه الى الإعلان عن طروحاته هو أن لبنان وصل إلى مرحلة خطيرة. ظهرت في المؤسسات المشلولة والبرهان على ذلك أننا في كل مرحلة نتخبط لتشكيل حكومة. والشعب اليوم يموت جوعاً ويطالب والدولة غير موجودة. وأسبابه أن لبنان خلافاِ لطبيعته وهويته أُدخل في قضايا دولية وإقليمية وتحالفات ونزاعات وحروب أعادته إلى الحالة التي هو فيها، وحين رأيت أن هذا الوجه الآخر لا تستطيع الطبقة السياسية أن تتواجد على طاولة واحدة وتطرح الحلول رأيت من واجبنا أن نرفع قضيتنا إلى الأمم المتحدة حتى يكون في مؤتمر، كمؤتمر الطائف الذي إنعقد حين لم يستطع اللبنانيون أن يتفاهموا في ظل الحرب التي كانت دائرة فكان الطائف حتى نوقف الحرب  وما يساعدنا على جعل فكرة المؤتمر الدولي الذي نطرحه حقيقة هو أن تتحول فكرته الى مطلب شعبي في وقت نجد فيه الشعب مأخوذ أسير، فماذا يفعل ولمن يلتجئ؟ حين حصل الطائف كان هناك إجماع؟ آنذاك كان يُمسك الحكم الرئيس عون حين كان آنذاك رئيساً للحكومة لم يكن مع الطائف ولم يكن هناك إجماع حول الاتفاق. نحن اليوم نبحث عن إجماع دولي لإقامة هذا المؤتمر.  ولنا حوالي العام نعمل مع الدول العربية والغربية الصديقة وغيرها من خلال سفرائهم أو غيرهم ونتحدث معهم حول هذا الموضوع لأن كل الناس تعلم الواقع اللبناني، والكل يُرحب لأنهم يرون مذلة الشعب اللبناني أين أصبحت.  وسنستمر إلى النهاية في مبادرتنا من أجل كل لبنان حتى لو رفض جزء من اللبنانيين هذه المبادرة لأننا نعمل من أجل خير كل اللبنانيين وكل لبنان.

ولقد أوضحت أكثر من مرة أن المؤتمر الذي أدعو إليه علينا التحضير له وعلينا تشخيص مرضنا إنطلاقاً من أمور ثلاثة هي:

أولاً، وثيقة الوفاق الوطني الطائف التي مع الأسف لم تنفذ لا بكامل نصها ولا بروحها وهذا التعثر الحاصل منذ 30 سنة أوصلنا إلى ما وقعنا به في المرحلة الراهنة.

 ثانياً، الدستور الذي عدل في ضوء إتفاق الطائف وكلنا نعلم أن هذا الدستور وضعوه على جنب ويخلقون أعرافاً وتقاليد خارجة عنه، وفي الدستور هناك ثغرات متروكة، فوصلنا إلى مكان ليس فيه حوار لأن كل واحد منهم خلق دستوره.

ثالثاً ميثاق العيش معاً.  

هذه النقاط الأساسية، وأنا لم أدع ولا أدعو ولا سأدعو إلى مؤتمر تأسيسي اطلاقاً. نحن لسنا بحاجة إلى مؤتمر تأسيسي، نحن فقط بحاجة إلى أن نعود لنحافظ على هذه الثلاث ودائع الأساسية التي تكوّن هوية ورسالة لبنان.  وحين تحدثنا عن الحياد، تحدثنا عن 3 مقومات أساسية سمّيناها عناصر مترابطة بعضها ببعض لا تقبل الإنفصال، أولاً، الحياد وهو عدم دخول لبنان بأي أحلاف أو نزاعات أو حروب إقليمية أو دولية لأنها خارجة عن طبيعته وعن تكوينه السياسي والجغرافي وعن هويته الأساسية وهي أنه حيادي. ثانياً، لماذا؟ لأن لبنان لديه دور غير الحرب. لديه دور السلم والسلام كونه مكاناً للتلاقي ولحوار الحضارات والأديان. ثالثاً، لأجل كل هذا، مطلوب أن تكون الدولة اللبنانية قوية بجيشها الخاص من أجل ضبط سيادتها الداخلية أي بمعنى لا يكون لدينا دويلات وجمهوريات في الداخل وأن يكون لديها سيادة وهذا ما نفتقده ولدينا سيادة على الورق فقط. العنصر الثالث والأساسي أن يكون هناك دولة لديها سيادة قوية وأن يكون لديها جيشها القوي الخاص الذي يحفظ سيادتها الداخلية والخارجية أي تستطيع أن ترد أي اعتداء يأتيها من إسرائيل أو من أي دولة أخرى.

هذا كله معناه الحياد، وليس جزءاً من دون آخر أو حياد الضعيف، بل حياد القوي والمتماسك.  وإن هوية لبنان هو المقاوم ضد إسرائيل في المنطقة العربية ليست هويته . كل دولة عليها أن تقاوم بمعنى أن تحفظ نفسها من أي اعتداء والمقاومة بدأت قبل حزب الله. بدأت عام 1975. المقاومة الشعبية أي ليس هناك شيء اسمه المقاومة، لفئة من دون سواها. يعني يجب أن يكون هناك جيش يقاوم وحين يحتاج، الدولة تقول للشعب تفضلوا معنا.  وما أريد التاكيد عليه أن المقاومة هي من صميم كل دولة. طبيعة الدول أن تكون جاهزة لمقاومة كل اعتداء عليها ولكن تقاوم بجيشها وليس أي شيء آخر. وهنا أريد أن أسأل سؤالاً بسيطاً، لماذا لم نُقر الاستراتيجية الدافعية المشتركة التي هي تعاون الجيش اللبناني مع سلاح حزب الله. من أيام الرئيس ميشال سليمان، دُرست وأُقرت الاستراتيجية الدفاعية المشتركة. في خطاب القسم لرئيس الجمهورية الحالي أيضاً تحدث عن الاستراتيجية الدفاعية. 

في الأول من نيسان 2021 شن البطريرك الراعي هجوما حادا على حزب الله، واتهمه فيه بالاستئثار بقرار الحرب والسلام في البلاد وخاطب الحزب متسائلاً: “لماذا تقف ضد الحياد، هل تريد إجبارنا على الذهاب إلى الحرب؟ تريد إبقاء لبنان في حالة حرب؟ “.و”هل تأخذ برأينا حين تقوم بالحرب؟ هل تطلب موافقتنا للذهاب إلى سوريا والعراق واليمن؟ هل تطلب رأي الحكومة حين تشهر الحرب والسلام مع إسرائيل؟ علماً أنّ الدستور يقول إن إعلان الحرب والسلام يعود إلى قرار من ثلثي أصوات الحكومة”. وأضاف ما نقوم به هو في صميم مصلحة حزب الله ولكنه لا يراعي مصلحتنا الوطنية ولا مصالح الشعب ولماذا يريد حزب الله ان نوافق على وجوب التوافق على الذهاب إلى موضوع فيه خلاص لبنان، ولا يريدنا ان نوافق عندما يذهب إلى الحرب التي فيها خراب لبنان”.

وفي رسالة الفصح التي وجهها غبطته يوم السبت الواقع فيه الثالث(3) من نيسان 2021 قال: “كم يؤلمنا أن نرى الجماعة الحاكمة ومن حولها يتلاعبون بمصير الوطن كيانًا وشعبًا وأرضًا وكرامة! ويؤلمنا بالأكثر أنّها لا تدرك أخطاء خياراتها وسياساتها، بل تمعن فيها على حساب البلاد والشعب! وكم يؤلمنا أيضًا أنّ بعضًا من هذه الجماعة يتمسّك بولائه لغير لبنان وعلى حساب لبنان واللبنانيّين!

 لقد صار واضحًا أنّنا أمامَ مخطّطٍ يَهدِفُ إلى تغييرِ لبنان بكيانِه ونظامِه وهوِّيتِه وصيغتِه وتقاليدِه. هناك أطرافٌ تَعتمدُ منهجيّةَ هدمِ المؤسّساتِ الدستوريّةِ والماليّةِ والمصرفيّةِ والعسكريّةِ والقضائيّةِ، واحدةً تلو الأخرى. وهناك أطرافٌ تعتمدُ منهجيّةَ افتعالِ المشاكلَ أيضًا لتَمنعَ الحلولَ، والتسويات.

وليدرك الجميع أنّ الحياة الوطنيّة ليست حِصصًا، بل هي تكاملُ قيمٍ ولقاءُ إرادات وربحٌ مشترك. الحياةُ الوطنيّةُ هي الفرحُ بالآخَر لا الانتصارُ عليه. فليخرج الجميع من متاريسهم السياسيّةِ ويلتقوا إخْوةً، في رحابِ الوطن وشرعيّةِ الدولة وتعدّديّةِ المجتمع. إنَّ معيار إعادةِ النظرِ بالنظامِ هو الحاجةُ إلى مواكبةِ العصرِ والتقدِّم وتحقيقِ الأمنِ الاجتماعيّ، لا العودةُ إلى الوراء وتحقيقُ المكاسب الفئويّةِ والسياسيّةِ والطائفيّةِ  والمذهبيّة والحزبية. إنّ حقوقَ الطوائف وحِصَصَها تتبخّر أمامَ حقوقِ المواطنين في الأمنِ والغذاءِ والتعليمِ والطبابةِ والعملِ والازدهارِ والسلام. ومن هذه المنطلقات الحضاريّةِ والإنسانيّة والوطنيّة طَرحْنا مشروعَي إعلانِ حيادِ لبنان وانعقادِ المؤتمرِ الدوليِّ الخاصِّ به. فلبنان الحياديُّ هو لبنانُ الإستقرار والسلام. أمّا لبنانُ المنحاز فهو لبنانُ الإضطراب والحربِ. نحن نريد السلامَ لا الحرب. الحياد هو لمصلحة الجميع، وينقذ الجميع. أما المؤتمرُ الدوليُّ، فيزيل النقاط الخلافيّة المتراكمة، وهو خَشبةُ خلاصٍ لأنه سيعطي لبنان عمرًا جديدًا من خلال تثبيتِ كيانِه، وحدودِه الدوليّة، وتجديدِ الشراكةِ الوطنيِّة، وتعزيزِ السيادةِ والاستقلال، وإحياءِ الشرعيّة، وتقويةِ الجيش، وتنفيذ القرارات الدولية، وحلِّ موضوعَيْ النازحين السوريّين واللاجئين الفِلسطينيّين. إنَّ الأممَ المتّحدةَ وأصدقاءَنا العربَ والدوليّين منفتحون على نقاشِ هذا الطرحِ لأنّهم مُهتمّون بمساعدةِ لبنان على بقائهِ دولةً حرّةً ومميّزةً في هذا الشرق. كفّوا عن السلوك الـمُهينِ والمهيْمِن والأنانيِّ والسُلطويّ. كفّوا  عن التضحيّةِ بلبنانَ واللبنانيّين من أجلِ شعوبٍ أخرى وقضايا أخرى ودولٍ أخرى. كفّوا عن الاجتهادات الشخصيّة في التفسيراتِ الدستوريّةِ وعن البِدعِ الميثاقيّة. أفرجوا عن القرارِ اللبنانيِّ والشعبِ. ومن وحي هذا العيد المبارك أقول للجميع: وطننا لبنان وطنُ المحبّةِ لا وطن الأحقاد. وطننا وطن السلامِ لا وطنُ الحروبِ والفتنِ والاغتيالات. وطننا وطنُ الحضارة لا وطنُ الانحطاط. وطننا وطنُ الانفتاحِ لا وطنُ الانعزال، وطننا لبنان هو وطن القديسين  وأجيالنا الطالعة الواعدة، واللبنانيّين الأحرار ذوي الإرادة الصالحة، والقوى الحيّة، وأصحاب الكفاءات، الذين أضاؤوا شعلة الثورة الحضاريّة الرافضة بعناد للدولة المرتهنة، والساعين قدمًا نحو بناء دولة حرّة وقويّة بحقّها وبقوّتها الذاتيّة وبعلاقاتها العربيّة والدوليّة، وبانفتاحها على الأخوّة الإنسانيّة الشاملة. والكنيسة هي في طليعة السائرين في هذا الطريق الجديد الذي يضيئه نور القيامة.


مواضيع ذات صلة


 

Post Author: SafirAlChamal