العالم يرتجف وسط جبهات الحروب المشتعلة.. ولبنان في قلب العاصفة!.. وسام مصطفى

يعيش العالم برمّته اليوم لحظات تاريخية فارقة تستحضر إلى حد كبير الأجواء التي سبقت اندلاع الحربين العالمية الأولى والثانية؛ فالصراعات تتداخل في شبكة معقدة من الجبهات المشتعلة.. من المواجهة المباشرة والمستترة بين واشنطن وطهران، إلى جبهة اليمن المفتوحة، وصولاً إلى الانفجارات الكبيرة التي أحدثتها “إسرائيل” منذ العام ٢٠٢٣ بشنّ سبعة حروب في غزة، ولبنان، وسوريا، وإيران، واليمن، والعراق، والضفة الغربية، مع رفع سقف التحدي أمام أنقرة عبر ترتيبات الأمن الممتد في الداخل السوري.. 

يرافق كل ذلك صراع شرس على أرض أوكرانيا بين المحور الاوروبي – الغربي وروسيا، فيما تترقب الصين لحظة الحسم الاستراتيجي في تايوان، فوق أرضية اقتصادية عالمية هشة يتهدّدها الكساد والتضخم.

وسط هذا الزلزال الجيوسياسي الشامل، يجد لبنان نفسه ليس فقط في دائرة الخطر، بل في مركز النواة التي قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط برمتها، حيث يتعرض لبنان لتهديدات وجودية تتجاوز مفهوم الأزمات السياسية العابرة، وتتلخص في أربعة أبعاد رئيسية:

أولاً: الاستهداف العسكري والوجودي، حيث تجد “إسرائيل” في حمأة الانشغال العالمي فرصة لتطبيق استراتيجيات أمنية عدوانية تستهدف المقاومة وبيئتها والبنية التحتية وسيادة الدولة؛ سعياً لفرض معادلات جديدة تهدف إلى تجريد لبنان من نقاط قوته في العسكر وفي الجغرافيا، وتحويله إلى ساحة مكشوفة أمنياً، ومستباحة براً وجواً وبحراً.

ثانياً: الابتلاع والتبعية الاقتصادية – السياسية، حيث يواجه لبنان ضغوطاً أمريكية وأوروبية متزايدة لاستغلال أزمته الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية وفقدان الخطط التنموية الناجعة، بهدف فرض شروط سياسية تمس جوهر سيادته. 

ويتجلى ذلك في إرغامه على الخضوع لترتيبات أمنية واستراتيجية تلبي المصالح الإسرائيلية، وتجرّده من أوراق القوة في أي مفاوضات تحصل حول ترسيم الحدود أو الثروات المائية والنفطية والغازية.

ثالثاً: الصراع على أوراق الطاقة والموانئ، حيث يُشكل موقع لبنان على حوض شرق المتوسط ساحة تنافس محموم؛ ولذلك تسعى واشنطن وحلفاؤها لعزل لبنان عن مشاريع الطاقة الإقليمية، وتهميش دور موانئه البحرية لصالح مخططات النقل والتجارة الجديدة التي تتحكم بها “إسرائيل”، ما يحرمه من التحوّل إلى دولة نفطية قادرة على التعافي الاقتصادي المستقل.

رابعاً: التفتت الداخلي والانفجار الاجتماعي، حيث يشكّل الإنهاك الاقتصادي الداخلي والانهيار المؤسساتي البيئة الأكثر خطورة على الساحة اللبنانية، كما أن استمرار الشلل السياسي وتراجع الخدمات الأساسية، بالتوازي مع تقصير الدولة في معالجة آثار الحرب الاسرائيلية العدوانية على الجنوب والبقاع والضاحية وغيرها من المناطق، يجعل الوطن عرضة لمشاريع التفتيت والتقسيم التي قد تُطرح كحلول خبيثة من قبل القوى الدولية والإقليمية عند إعادة هيكلة المنطقة.

إن وقوع لبنان في قلب التقاطع بين المحور الغربي – الإسرائيلي ومحور المقاومة، فضلاً عن التوتر المتصاعد في العلاقة التركية – الإسرائيلية حول سوريا (كعنوان للصراع) والتنافس الأمريكي – الصيني على الممرات المائية، يجعله متأثراً بكل ارتداد جيوسياسي. فمحاولة تل أبيب توسيع نفوذها في سوريا وتثبيت واقع أمني يخدم مصالحها يمس مباشرة بالعمق الاستراتيجي للبنان؛ إذ إن التضييق على خطوط الإمداد والتواصل الجغرافي يهدف إلى خنق لبنان وعزله عن محيطه العربي والإقليمي.. وفي الوقت نفسه، فإن الكساد العالمي المتوقع وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية يعمّق من حدة الخناق على الاقتصاد اللبناني المفلس أساساً، مما يحرمه من المساعدات التقليدية ما لم يقدم تنازلات سيادية حاسمة تؤدي إلى تفكيك مقوّمات قوته الذاتية.. وهنا بيت القصيد.

وعلى الرغم من الحصار والمخاطر الهائلة، يمتلك لبنان المقوّمات التي تمكّنه من الصمود وإعادة فرض نفسه كفاعل جيوسياسي لا يمكن تجاوزه أو ابتلاعه، وذلك عبر اتخاذ خطوات استراتيجية قائمة على الوعي والمبادرة، وأهمها:

أولاً: صياغة استراتيجية دفاع وطني صلبة وذلك بالخروج من حالة الانقسام العمودي حول ملف السلاح وبناء رؤية دفاعية جامعة تستفيد من كل عناصر القوة اللبنانية (الجيش، والمقاومة، والشعب) لمواجهة الأطماع الإسرائيلية وحماية الحدود والثروات الطبيعية، مما يحرم واشنطن وتل أبيب من فرصة الاستفراد بالبلاد.

ثانياً: تفعيل الدبلوماسية المتوازنة والانفتاح شرقاً، فعلى لبنان ألا يبقي نفسه رهينة للضغوط الغربية والاشتراطات الأمريكية، واستغلال الصعود الصيني والروسي وتفعيل العلاقات مع القوى الإقليمية المؤثرة كإيران وتركيا والدول العربية الراغبة في استقرار المنطقة، ما يعطي لبنان هامشاً للمناورة السياسية والاقتصادية يكسر به حلقة الحصار ويكفل له جلب الاستثمارات إلى موانئه وبنيته التحتية.

ثالثاً: تحصين الجبهة الداخلية وبناء دولة القانون، حيث إن نقطة الضعف القاتلة التي يستغلها النفوذ الخارجي هي الانقسام الطائفي والفساد المستشري، وعليه فإن المصلحة الوطنية العليا تقتضي إحياء المؤسسات الدستورية والمبادرة إلى ترسيخ الاستقرار السياسي، والبدء بإصلاحات اقتصادية حقيقية تعتمد على الإنتاج المحلي واستثمار الثروات الوطنية بعيداً عن الارتهان للخارج وسمسرات الداخل، لتشكل شبكة أمان تمنع السقوط الكامل وتوفر التماسك الاجتماعي المطلوب لمواجهة الزلازل الخارجية.

إن على السياسيين وأصحاب القرار في البلد أن يعلموا أن لبنان ليس صندوق بريد، بل هو نقطة ارتكاز أساسية في توازن القوى في المنطقة والعالم، وأن الحفاظ على هذا الكيان ومنع ابتلاعه يتطلبان وعياً استراتيجياً من قواه الحية لعدم الانزلاق نحو المخططات الخارجية التي تريد تحويله إلى ورقة تفاوض أو ساحة هامشية، وهذا ما يتطلّب العمل على استعادة دوره الحضاري والجيوسياسي كجسر تواصل ورأس حربة دفاعاً عن سيادته واستقلاله.

 

Post Author: SafirAlChamal