تشكيل ″حكومة ثقة″ أول خطوات وقف الإنهيار… عبد الكافي الصمد

كلّ شيء في لبنان كان يدلّ في الأيّام القليلة الماضية أنّ مؤسّسات الدولة متجهة نحو الإنهيار، بشكل يعيد إلى الأذهان ما عانته هذه المؤسسات فترة الحرب الأهلية 1975 ـ 1990، وفي مراحل عصيبة وصعبة لاحقة، ما دفع كثيرين إلى التحذير من أنّ إنهيار هذه المؤسّسات هو مقدمة لانهيار الدولة ككل، على أن يلي ذلك إنهيار المجتمع، الذي يبقي متماسكاً قليلاً خلال انهيار مؤسّسات الدولة، لكنه ما يلبث أن يلحقها، برغم مظاهر الترابط والعصبيات الإجتماعية في دول الشرق، ومن بينها لبنان.

بدأ هذا الإنهيار مع تراجع غير مسبوق في سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، الذي تجاوز سعره 22 ألف ليرة قبل أيّام، وهو تراجع غير مسبوق أبداً في تاريخ العملة المحلية التي تآكلت وفقدت الكثير من قيمتها، ما جعل رواتب الموظفين والأجراء والعمّال تعد من بين الأدنى في العالم.

مظاهر الإنهيار إمتدت لاحقاً إلى قطاع الصحّة، بسبب تقشف المستشفيات ورفضها القيام بالكثير من الواجبات الصحّية والطبّية نتيجة تدهور سعر صرف الليرة، وتفشّي فيروس كورونا الذي أصاب البلد بالشلل، وهجرة آلاف الأطباء والعاملين في الحقل الصحّي بسبب تراجع قيمة رواتبهم ومداخيلهم، وانسداد أفق المستقبل أمامهم، وامتداد هذه الأزمة إلى الصيدليات التي نفد الكثير من الأدوية فيها، ما وضع البلد على حافة كارثة صحية.

قبل ذلك كان آلاف الموظفين والعمّال والأجراء يخسرون وظائفهم، وقدّرت بعض الجهات فقدان نحو 250 ألف لبناني وظائفهم وتحوّلهوا إلى عاطلين عن العمل، أو أن يعملوا بنصف راتب، ما فاقم الأزمة المعيشية والإجتماعية وجعلها أشبه ببرميل بارود ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر.

وكانت أزمة فقدان ونفاد المحروقات من الأسواق كارثية بكلّ معنى الكلمة، إذ أعادت إلى الأذهان مشهد طوابير الذلّ أمام محطات المحروقات التي عاشها اللبنانيون في أيّام الحرب الأهلية، ما أصاب بالشلل قطاعات الكهرباء والنقل والصناعة، وجعل مئات الشركات والمصانع تتوقف عن العمل مؤقتاً، ودفعت موظفي القطاعين العام والخاص إلى الغياب قسراً عن أماكن عملهم، وكذلك الطلاب والأساتذة في الجامعات والمدارس والمعاهد، بسبب فقدان الوقود وارتفاع تسعيرة بدل النقل بشكل لا تستطيع غالبية اللبنانيين تحمّلها.

كلّ هذه الأزمات وغيرها جعلت اللبنانيين منذ بداية الأزمة قبل نحو سنتين بالكاد يستطيعون تأمين قوت يومهم، بعد ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية ما بين 6 إلى 10 أضعاف، بينما بقيت الرواتب والأجور ـ التي تآكلت ـ على حالها، ولولا المعونات التي كانت جمعيات خيرية تقدمها للمحتاجين، والتحويلات المالية التي كانت تأتي من المغتربين إلى ذويهم، لكان لبنان قد عاش فعلياً أزمة مجاعة حقيقية.

خلال هذه الفترة كانت كلّ المواقف والتقارير تركز على ضرورة تشكيل حكومة ثقة جديدة باعتبارها أولى الخطوات لإيقاف الإنهيار أولاً، وتنفيذها إصلاحات مطلوبة ثانياً، وتأمين غطاء سياسي لها باعتبار أنّ كلّ شيء في لبنان مرتبط بالسّياسة، بهدف إعطاء المواطنين والمجتمع الدولي جرعة ثقة، ولو بسيطة، للخروج من عنق الزجاجة التي اختنق داخلها البلد على مدى عامين.


مواضيع ذات صلة


Post Author: SafirAlChamal