في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية وتتشابك فيه المصالح مع السرديات التاريخية، لم تعد المصطلحات مجرد أدوات لغوية، بل تحولت إلى مفاتيح لفهم السلوك والممارسة السياسية، ومرآة تعكس حقيقة المنظومات الأخلاقية والقيميّة.
وبينما كثير من الدول والنخب تتأرجح بين “الإعتراف” و“الإعتكاف”. يتسلل إلى المشهد ممارسات “الإستئناف” و“الإرجاف” و“الإسفاف”، فتتشكل معادلة معقدة يتداخل فيها علم السياسة مع الأخلاق العامة ودور الإعلام.
الإعتراف، بوصفه فعلاً سيادياً، برز بوضوح في السنوات الأخيرة مع موجة الإعترافات الدولية بدولة فلسطين، حيث أقدمت دول أوروبية على هذه الخطوة في محاولة لتثبيت مسار سياسي، في ظل حرب الإبادة المدمّرة والتهجير الممنهج لأهل غزة والضفة الغربية .
هذا الإعتراف، وإن حمل بعداً أخلاقياً وقانونياً، إلا أنه كشف أيضاً عن إزدواجية المعايير، إذ تقابله مواقف أخرى ترفض الإعتراف أو تؤجله تحت ذرائع سياسية، ما يعكس كيف يُستخدم الإعتراف أحياناً كورقة ضغط أكثر منه التزاماً بالحقوق.
في المقابل، يظهر الإعتكاف في سلوك دول ونخب إختارت الإنكفاء عن أزمات كبرى. فبعض الدول فضّلت الإلتزام بالحياد أو الإبتعاد عن الإنخراط المباشر، إما خوفاً من التصعيد أو حفاظاً على مصالحها.
هذا الإعتكاف، وإن بدا حَذَراً دبلوماسياً، أثار تساؤلات حول حدود المسؤولية الدولية عندما تكون السيادة والحقوق مهددة.
أما الإستئناف، فقد تجلى في محاولات إعادة إحياء مسارات سياسية متعثرة. كالمفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، و الجهود المتكررة للإتفاق وخفض الإحتقان، تمثل نموذجاً لاستئنافٍ سياسي يسعى لتصحيح مسار سابق.
كذلك الأمر في المساعي الدبلوماسية المتكررة لوقف إطلاق النار في الحرب الإسرائيلية على لبنان، حيث تتكرر المبادرات دون أن تصل إلى نتائج حاسمة، ما يطرح سؤالاً حول جدية هذا “الإستئناف” وحدوده.
لكن الأخطر في المشهد المعاصر هو تصاعد الإرجاف. ففي الحروب الحديثة، لم يعد السلاح وحده هو العامل الحاسم، بل أيضاً الرواية. فخلال هذه الحروب المتتالية سواء في أوكرانيا، أو إيران وكذلك في العدوان على غزة ولبنان، امتلأت الفضاءات الإعلامية بسيل من الأخبار المتضاربة، والصور المجتزأة، والمعلومات غير المؤكدة، ما جعل الرأي العام عرضة للتضليل والتعبئة النفسية.
الإرجاف هنا، يتحول إلى سلاح ناعم، يسبق أحياناً الفعل العسكري أو يوازيه في التأثير.
ولا يقل خطورة عن ذلك الإسفاف في الخطاب السياسي والإعلامي. في العديد من الساحات والمحافل الدولية.
فمن الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، مروراً بالقارة الأوروبية، تراجع مستوى النقاش العام لصالح خطاب شعبوي يقوم على الإثارة والتجريح، بدلاً من الحجة والتحليل. هذا الإنحدار لا يضعف فقط جودة النقاش، بل يساهم في تعميق الإنقسام داخل المجتمعات، ويُفقد المؤسسات الدولية مصداقيتها.
أما من الناحية الأخلاقية والقيميّة، تبدو هذه الممارسات إختباراً حقيقياً لمدى إلتزام الدول والنخب بالمبادئ التي تعلنها.
فالإعتراف، يجب أن يكون ترجمة لحق ثابت، لا أداة إنتقائية. والإعتكاف، إن كان تكتيكاً مشروعاً، لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء للتخلي عن المسؤوليات. أما الإستئناف، فيفقد معناه حين يصبح مجرد تكرار بلا نتائج. في حين أن الإرجاف والإسفاف يمثلان تهديداً مباشراً لحق المجتمعات في المعرفة والحوار الرصين.
أما الإعلام كان وما زال في قلب هذه المعادلة.
ففي تغطية الحروب الحديثة المتتالية، إنقسمت وسائل الإعلام العالمية بين من حاول نقل الصورة الكاملة، ومن إنجاز إلى سرديات محددة، ما أظهر بوضوح كيف يمكن للإعلام أن يكون إما أداة لكشف الحقيقة أو وسيلة لإعادة تشكيلها. أو مساهماً في تعقيد المشهد عبر تضخيم بعض الروايات على حساب أخرى.
في المحصلة، لا يمكن فصل السياسة عن اللغة التي تعبّر عنها. فالمصطلحات ليست بريئة، بل تحمل في طياتها مواقف وتطلعات وخيارات.
وبين الإعتراف والإعتكاف، وبين الإستئناف والإرجاف والإسفاف: إما عالم تحكمه القيّم والحقوق، أو آخر تُدار فيه الوقائع بمنطق القوة والسردية والمجون.
Related Posts
None found




