الجيش الأميركي بعد “كوانتيكو”.. إعادة تشكيل القيادة أم إعادة تعريف الحرب؟.. بقلم: العميد منذر الأيوبي

أتت الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب لتُدخل المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية مرحلة مختلفة في علاقتها بالقرار السياسي. إذ لم تقتصر التحولات على المعتاد في بداية كل عهد، من تغيير بعض القيادات أو إعادة توزيع المناصب، بل لامست طبيعة التوازن بين متطلبات الثقة السياسية وحاجة المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى الخبرة والتطوير والاستمرارية.

 

بدايةّ سُجِلت سلسلة من الاستقالات غير الاعتيادية، شملت قيادات رفيعة في اجهزة الأمن القومي، وصلت إلى المستوى الوزاري مع إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم في آذار 2026.

 

وفي الثاني من نيسان الماضي، شهدت المؤسسة العسكرية أيضاً خروج رئيس أركان الجيش الجنرال راندل جورج، الذي ارتبط اسمه بعملية تحديث القوى المسلحة وتطوير قدراتها، بالتزامن مع إبعاد عدد من القيادات العسكرية الأخرى.

 

تلاه في تموز المنصرم مغادرة احد أكثر الضباط خبرة في العمليات الخاصة الجنرال كريستوفر دوناهو، قائد الجيش الأميركي في أوروبا وأفريقيا، ذلك بعد 18 شهراً فقط من تسلمه مهامه.

 

ثم جاءت استقالة وزير الجيش دان دريسكول أواخر شهر آب الماضي. أحد أبرز الأصوات الداعية إلى تسريع تحديث الجيش، مع تقليص الاعتماد على نماذج التسليح الباهظة والبطيئة في الإنتاج. لتضيف إلى المشهد بُعداً سياسياً ومؤسسياً أكثر وضوحاً.

 

وما كان لافتاً أن رحيله جاء بعد أشهر من التوتر مع وزير الحرب بيت هيغسيث، في وقت كانت فيه الإدارة نفسها تشيد بعمله وإسهاماته في تنفيذ أجندتها. كما أفادت تقارير بأن الرئيس حاول إقناعه بالبقاء في منصبه.

ما يؤشر ان المسألة ليست مجرد خلاف سياسي بين مؤيدين ومعارضين لترامب، إذ تبدو أكثر تعقيداً من معيار الولاء وحده.

 

اضافة لذلك فإن قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد إزاحة تقترب من مفهوم «التطهير» قد تكون قراءة ناقصة. فخلف حركة الأسماء يوجد نقاش أعمق حول تحديد شكل الجيش الأميركي وهيكليته، وحول طبيعة الحرب التي يمكن خوضها خلال السنوات المقبلة.

 

عليه؛ لا يمكن فهم ما يجري دون العودة إلى اجتماع أيلول 2025 الذي دعا إليه آنذاك “هيغسيث” في قاعدة كوانتيكو لمشاة البحرية، حضره الرئيس دونالد ترامب، موجهاً رسالة واضحة إلى نحو 800 جنرال وضابط من قمة الهرم العسكري حول رؤية جديدة للمؤسسة العسكرية، واستعداد الإدارة لإحداث تغييرات في القيادة عند الضرورة. كما أكد أهمية دمج الجيش في استراتيجيات الأمن الداخلي لمواجهة التهديدات المباشرة وغير المباشرة للبلاد.

 

أثار الاجتماع آنذاك جدلاً بعيدآ عن إستثنائيته إذ عكس تصوراً جديداً للعلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية. بمعنى أن السلطة تريد جيشاً أكثر انضباطاً، أقل تعقيداً في قيادته، وأكثر استعداداً لتنفيذ تصور سياسي واضح عن القوة الأميركية. وفي الخلفية كان هناك توجه آخر أكثر أهمية في مضمونه: تقليص أعداد كبار الضباط ومراجعة بنية القيادة، بالتوازي مع إعادة تعريف أولويات الجيش الأميركي.

 

من جهة أخرى، رأى مطلعون أن هيغسيث يدفع باتجاه تغيير فلسفة الجيش، من خلال تقليص عدد كبار الضباط، مع تركيز أكبر على القتال المباشر والجاهزية التقليدية، فيما تتحدث المؤسسة العسكرية عن تحول واسع في طبيعة الحرب الحديثة.

 

في السياق، أظهرت حرب أوكرانيا والشرق الأوسط، إلى جانب تجارب السنوات الأخيرة، أن الأسلحة المسيّرة ذات الكلفة المنخفضة نسبياً يمكن أن تؤثر بفعالية في ساحة المعركة. إذ أصبحت آليات القتال أكثر اعتماداً على الروبوتات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والذخائر الدقيقة منخفضة الكلفة، وبالتالي القدرة على إنتاج أعداد كبيرة من المنظومات بسرعة، ودمج الإنسان مع الأنظمة غير المأهولة (MUM-T).

 

الأمر الذي فرض على القيادة العسكرية سؤالاً مختلفاً: ما السلاح الذي يمكن إنتاجه بأعداد كافية، وتحديثه بسرعة، وتعويض خسائره في حرب طويلة؟

 

دريسكول مثّل أحد اتجاهات الإجابة: فالمنظومات التي تكلف ملايين الدولارات قد تكون متفوقة تقنياً على منظومة مسيّرة رخيصة، لكنها تصبح أمام اختبار مختلف عندما تواجه أعداداً كبيرة من الأنظمة الصغيرة التي يمكن إنتاجها وتحديثها واستبدالها بسرعة.

 

لتبرز أهمية هذا التحول في استراتيجية العقيدة والتحديث ليس من الوجهة التقنية فقط، بل ايضآ ما يتعلق بالموازنات وإقتصاد الحرب. بمعنى تسريع الابتكار، تقصير دورة المشتريات، وإعطاء مساحة أكبر للشركات الأصغر والتكنولوجيا التجارية، عوض بقاء الجيش رهينة دورات تسليح طويلة ومكلفة.

 

في هذا السياق، يمكن النظر إلى حرب إيران باعتبارها اختباراً عملياً لبعض هذه الأفكار، لا دليلاً منفرداً على نجاح أو فشل. إذ أعادت التأكيد على أهمية الجمع بين التكنولوجيا الجديدة، وسرعة الإنتاج، والقدرة على التكيف مع تهديدات تتغير بوتيرة متسارعة.

كما كشفت الضغوط على مخزونات بعض الذخائر والدفاعات أن التفوق التقني لا يلغي سؤال القدرة على الاستمرار في حرب طويلة. ما يستدعي مرونة في القيادة، وقدرة على التخلي عن بعض المفاهيم التقليدية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الخبرة المتراكمة تصبح عبئاً يمكن الاستغناء عنه.

 

ولعلّ التداعيات الأبرز لهذه العقيدة تتجاوز الداخل الأميركي لتلقي بظلالها على حلف شمال الأطلسي (الناتو). إذ سيجد الحلفاء الأوروبيون أنفسهم أمام فرضية مزدوجة: فجوة تقنية وتكتيكية آخذة في الاتساع بفعل تسريع واشنطن لدمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيّرة في هيكليتها القتالية، وتراجعٍ متزايد في المظلة التقليدية الثقيلة التي طالما اعتمدوا عليها.

هذا التحول لا يكتفي بإرباك خطط التنسيق والذاكرة القيادية المشتركة بين الجانبين، بل يفرض على دول الناتو إعادة هيكلة عقيدتها ودورات تسليحها لتواكب نمطاً أميركياً جديداً يعطي الأولوية للمرونة، الاقتصاد الحربي، والسرعة الميدانية على حساب الالتزامات الكلاسيكية العابرة للأطلسي.

 

إجمالآ؛ إن أي مؤسسة عسكرية كبرى تعجز عن التغيير دون أن تدفع ثمناً من بنيتها او قدراتها ولو مرحليآ. فالجيش لا يقوم على التسليح النوعي فقط، وإنما على تراكم الخبرة، وتسلسل القيادة، والثقة بين الرعائل المختلفة، التقاليد العسكرية، والقدرة على التعلم من التجارب السابقة. عليه؛ قد تكون إعادة تشكيل القيادة حاجة ضرورية عندما تصبح المؤسسة بطيئة أو عاجزة عن التكيف، لكنها تصبح خطرة إن أدت إلى خسارة الخبرة المتراكمة قبل أن يتم بناء البديل.

 

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي لسياسة هيغسيث: هل تستطيع الإدارة تسريع التغيير دون أن تفقد المؤسسة ذاكرتها؟ السؤال ليس أخلاقياً فقط، وإنما عملياتي أيضاً. فالتخلي عن عدد كبير من القادة ذوي الخبرة يحتاج إلى وقت لردم الفجوة، فيما الحروب لا تنتظر اكتمال عمليات إعادة التنظيم.

 

تابع:

ومع ذلك، فإن جمع هذه الحالات ضمن صورة واحدة يسمح بطرح السؤال الأكبر: هل نحن أمام تغييرات إدارية متفرقة، أم أمام إعادة تعريف للعلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الأمنية؟

 

من الخطأ اختزال مرحلة التحولات في عبارة «الولاء السياسي». فالولاء مهم بالنسبة إلى أي رئيس، لكن الأهم هو الولاء للدستور، خصوصاً في الملفات الأمنية والعسكرية. ثم إن الأداء المؤسساتي لا يقوم على الولاء وحده. الثقة السياسية ليست بديلاً عن الخبرة، كما الخبرة لا ينبغي أن تتحول عائقآ أمام التغيير. أما التوازن الأصعب فهو أن تكون القيادة السياسية قادرة على تغيير المؤسسة، دون أن تدمر العناصر التي تجعلها فعالة.

 

في النهاية، مستقبل تجربة ترامب الثانية لا يقاس بعدد الجنرالات الذين غادروا مواقعهم، وإنما بقدرة المؤسسات التي بقيت والتي ستأتي بعدها على الإجابة عن سؤال واحد: هل تستطيع الولايات المتحدة تغيّير أدوات حربها دون أن تفقد المؤسسة العسكرية فعالية خوضها؟ موجة التغيير الحالية قد تنتج جيشاً أميركياً أكثر مرونة واستعداداً لحروب المستقبل، وقد تترك وراءها مؤسسة أسرع في تغيير قياداتها من قدرتها على تغيير استراتيجيتها وعقيدتها القتالية.

 

الكاتب: العميد منذر الأيوبي

عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب

 

Post Author: SafirAlChamal