علي الطاهر.. المقاومة تُفشل التوغل الإسرائيلي والعدو يُغطي بمجزرة أنصار.. غسان ريفي

ما جرى في الجنوب اللبناني خلال اليومين الماضيين لا يبدو أنه يندرج في إطار قرار إسرائيلي بالعودة الى توسيع المواجهة، بقدر ما يبدو محاولة إسرائيلية لاحتواء فشل عسكري ميداني وتغطية تداعياته السياسية، من خلال تحميل المقاومة مسؤولية ما جرى والترويج لرواية تتحدث عن “خرق حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار”.

 

خلال الساعات التي سبقت مجزرة أنصار، شنت القوات الإسرائيلية هجوماً محدوداً على مرتفعات علي الطاهر، في محاولة لجسّ نبض المنطقة واختبار قدرة المقاومة على الرد، إلا أنها لم تحقق أي تقدم يُذكر، واضطرت إلى التراجع بعدما اصطدمت بمقاومة جاهزة للتصدي لأي محاولة توغل جديدة. 

وكما هي العادة، سارعت إسرائيل إلى قلب الصورة وتحويل فشلها الميداني إلى ذريعة سياسية وأمنية لتبرير اعتداءاتها، وصولاً إلى مجزرة أنصار التي طالت نساء وأطفالاً. وكأن المطلوب ليس فقط التغطية على الفشل في علي الطاهر، بل أيضاً إعادة صياغة المشهد بحيث تظهر إسرائيل في موقع من يرد على خرق لبناني، لا في موقع من بدأ بالاعتداء وحاول التوغل داخل الأراضي اللبنانية.

 

ولا يبدو أن أياً من الطرفين معني في هذه المرحلة بالعودة إلى منطق توسيع المواجهة، فنتنياهو، الذي يستعد لمرحلة سياسية وانتخابية حساسة، يريد تسجيل إنجاز عسكري يمكن تقديمه إلى المجتمع الإسرائيلي باعتباره صورة نصر، لكنه في الوقت نفسه لا يريد الدخول في حرب واسعة غير محسومة النتائج. 

والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة التي تبدو معنية بإبقاء المنطقة تحت سقف مضبوط من التصعيد، خصوصاً في ظل الاستحقاقات الانتخابية الأميركية المقبلة. فواشنطن لا تبدو راغبة في انفجار إقليمي كبير قد يخرج عن السيطرة، فيما يبقى المسار الإيراني ـ الأميركي عاملاً أساسياً في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة.

 

أما حزب الله، فيراقب هذا المسار بدقة، باعتبار أن أي تسوية إقليمية يمكن أن تنعكس على الملف اللبناني، وخصوصاً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي لا تزال تحت الاحتلال، ضمن ترتيبات سياسية وأمنية يجري بحثها.

 

من هنا، فإن ما حصل في علي الطاهر يؤكد أن المقاومة ليست في وارد التسليم بوقائع جديدة على الأرض. فهذه المرتفعات ليست مجرد موقع جغرافي عابر، بل تحمل رمزية خاصة.

ولذلك فإن محاولة إسرائيل فرض واقع جديد فيها تصطدم بحسابات مختلفة تماماً، ما يجعل سعي نتنياهو إلى تقديم السيطرة عليها “هدية” سياسية للمجتمع الإسرائيلي عشية الانتخابات أمرًا لن يكون مجرد نزهة، لأن التصعيد إذا ما تجاوز حدودا معينة يمكن أن يفتح الباب أمام عودة المواجهة الميدانية.

 

وفي حال اتساع دائرة المواجهة، فإن احتمال انتقالها إلى مستوى إقليمي يبقى قائماً، ولا سيما إذا اعتبرت إيران أن الاعتداءات الإسرائيلية تشكل انتهاكا للتفاهمات التي يفترض أن تضبط المرحلة. وعندها لن يبقى التصعيد محصوراً في الجنوب اللبناني، بل يمكن أن يعيد إشعال المنطقة التي تحاول واشنطن إبقاءها تحت السيطرة.

 

وسط كل ذلك، تقف السلطة اللبنانية في موقع شديد الصعوبة، إذ تبدو عاجزة عن فرض معادلة تحمي لبنان أو تمنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها. وما يزيد من الإحراج أن اتفاق الإطار، الذي يفترض أن يشكل مدخلاً لمعالجة الخلافات، يبدو في التطبيق وكأنه قيّد هامش الحركة اللبنانية، سواء على مستوى تقديم الشكاوى القانونية والقضائية، أو في القدرة على التحكم بمكان المفاوضات وجدول أعمالها ومسارها ونتائجها.

 

وقد ظهر هذا الضعف بوضوح أكبر بعد مجزرة أنصار. فبدلاً من موقف وطني حازم يتناسب مع حجم الاعتداء الذي طال المدنيين، جاءت ردود الفعل الرسمية في معظمها ضمن حدود البيانات السياسية والعبارات الإنشائية، بما يوحي بأن الأولوية أصبحت تفادي إغضاب الأميركي، حتى عندما تكون الدماء اللبنانية هي الثمن.

 



 

Post Author: SafirAlChamal