نتنياهو أمام حافة الهاوية: هل بدأت إسرائيل فعلاً مرحلة ما بعد “بيبي”؟.. بقلم: المحامي ميشال فلاّح

لم تعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مجرد سباق على 120 مقعداً في الكنيست. إنها، في جوهرها، معركة على سؤال أكثر حسماً: هل انتهى زمن بنيامين نتنياهو؟

في 27 تشرين الأول 2026، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات تشريعية منذ “7 اكتوبر”، وفي ظل حرب طويلة، وانقسامات اجتماعية حادة، وأزمة ثقة غير مسبوقة بالمؤسسة السياسية. 

وفي هذه المرة، يدخل نتنياهو المعركة لا بوصفه السياسي الذي لا يُهزم، بل بوصفه رئيس حكومة يحاول إثبات أن الهزيمة السياسية التي تلاحقه منذ 7 تشرين الأول لم تتحول بعد إلى هزيمة انتخابية.

 

“بيبي” لم يسقط… لكن صورته بدأت تتشقق

المشهد الحالي يحمل مفارقة لافتة. فالليكود لا يزال قادراً على المنافسة بقوة، لكن نتنياهو يفقد شيئاً أهم من عدد المقاعد: احتكار صورة القائد القادر على قيادة إسرائيل. 

استطلاع حديث نُشر مؤخراً أظهر حزب “يشار” بزعامة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت في الصدارة بـ24 مقعداً، مقابل 22 لليكود. والأكثر أهمية أن أيزنكوت يتقدم على نتنياهو في سؤال تفضيل رئيس الوزراء بنسبة 40% مقابل 35%.

هذه ليست نهاية نتنياهو، لكنها بالتأكيد ليست أرقام رجل يدخل الانتخابات من موقع القوة المطلقة. فالرجل الذي بنى حياته السياسية على معادلة “الأمن أولاً” يجد نفسه أمام منافس يحمل السيرة الأمنية نفسها تقريباً، ولكن من دون عبء المسؤولية السياسية المباشرة عن المرحلة التي سبقت 7 تشرين الأول. وهنا تكمن المشكلة. نتنياهو لا يستطيع أن يهرب من “طوفان الاقصى”، لأن خصومه سيعيدونه إليه في كل شارع انتخابي.

 

المعركة الحقيقية: من يتحمل مسؤولية الكارثة؟

من المرجح أن يحاول نتنياهو جعل الانتخابات استفتاءً على الأمن والحرب والتهديد الإيراني وغزة وحزب الله، وهي ملفات يتمتع فيها اليمين الإسرائيلي بقاعدة شعبية واسعة. لكن المعارضة ستفعل العكس تماماً. ستقول للناخب الإسرائيلي إن السؤال ليس فقط “من يستطيع محاربة أعدائنا؟”، بل “من أوصل إسرائيل إلى هذا الوضع، ومن يستطيع إخراجها منه؟

وهنا تصبح مسؤولية نتنياهو السياسية عن “7 اكتوبر” واحدة من أثقل الأوزان التي يحملها إلى صناديق الاقتراع. حتى لو لم يكن نتنياهو وحده مسؤولاً عن الإخفاق الأمني، الاشبه بالفضيحة غير المسبوقة، فإن السياسي الذي أمضى سنوات يقدم نفسه بوصفه “السيد أمن” يصعب عليه سياسياً أن يتنصل من ثمن انهيار الصورة التي بنى عليها شرعيته.

 

أيزنكوت: الخطر الذي يصعب على نتنياهو مهاجمته

غادي أيزنكوت ليس مجرد منافس انتخابي جديد. إنه يمثل بالنسبة إلى نتنياهو مشكلة استراتيجية. فمهاجمة أيزنكوت باعتباره ضعيفاً في الأمن ستكون معركة صعبة. الرجل رئيس أركان سابق، ويقدم نفسه بوصفه بديلاً أمنياً لا بديلاً أيديولوجياً حالماً.

وهذه الورقة قد تكون حاسمة. أحد أحدث الاستطلاعات يضع “يشار” أمام الليكود، بينما تظهر استطلاعات أخرى أن الكتلة المناهضة لنتنياهو تقترب من عتبة الـ61 مقعداً. وفي المقابل، أظهر استطلاع هيئة البث “كان” أن الليكود ما زال الحزب الأكبر في سيناريو آخر بـ24 مقعداً مقابل 23 ليشَر، لكن أيّاً من المعسكرين لا يملك أغلبية واضحة.

إذن، الصورة ليست سقوطاً آلياً لنتنياهو. لكنها أيضاً ليست انتصاراً مضموناً له.

 

بينيت وليبرمان وغولان: جبهة لإسقاط الرجل لا تزال بلا مركز ثقل

المشكلة الكبرى أمام نتنياهو أن خصومه باتوا أكثر قوة، لكن مشكلتهم هم، أنهم ليسوا حزباً واحداً. نفتالي بينيت يخاطب شريحة يمينية تريد تغيير القيادة من دون الانتقال إلى اليسار. وأيزنكوت يمثل خياراً أمنياً وسطياً. يائير غولان يتحرك في مساحة أكثر يسارية، بينما يحتفظ أفيغدور ليبرمان بجمهوره العلماني والقومي. وهكذا تشكلت معادلة غريبة: الجميع يريدون إسقاط نتنياهو، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على إسرائيل التي ستأتي بعده.

وهذه هي نافذة نتنياهو الأخيرة. إذا نجح في إبقاء خصومه متفرقين، فقد يخسر المركز الأول لكنه يحتفظ بالطريق إلى رئاسة الحكومة. أما إذا نجحت المعارضة في تحويل أرقامها المتفرقة إلى كتلة سياسية متماسكة، فقد تنتهي حقبة نتنياهو السياسية.

 

اليمين الديني: الحليف الذي قد يتحول إلى عبء

يعتمد نتنياهو بصورة كبيرة على الأحزاب الدينية واليمينية المتشددة، لكن هذه العلاقة لم تعد مضمونة كما كانت. قضية إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية أصبحت من أكثر الملفات تفجيراً للمجتمع الإسرائيلي، وهي تضع نتنياهو أمام معادلة شبه مستحيلة: إرضاء حلفائه الدينيين من جهة، وعدم خسارة الناخبين الذين يرون أن عبء الحرب يجب أن يتحمله الجميع من جهة أخرى.

وقد ظهرت بالفعل إشارات إلى أن بعض القوى الحريدية لا تريد منح نتنياهو شيكاً على بياض لما بعد الانتخابات. وهنا قد يتحول أقوى سلاح انتخابي لنتنياهو إلى نقطة ضعفه. فالائتلاف الذي أوصله إلى السلطة قد يكون نفسه عاجزاً عن ضمان بقائه فيها.

 

حتى فوز نتنياهو قد لا ينقذه

هذه هي النقطة التي ينبغي عدم إغفالها. حتى لو حصل الليكود على المركز الأول، فهذا لا يعني أن نتنياهو سيبقى رئيساً للحكومة. النظام الإسرائيلي يحتاج إلى ائتلاف يضمن 61 مقعداً من أصل 120. والاستطلاعات الحالية تضع معسكر نتنياهو في مناطق أدنى من هذه العتبة، بينما يقترب معسكر المعارضة منها في بعض السيناريوهات. أي أن نتنياهو قد يربح الانتخابات ويخسر الحكومة.

وقد يصبح السيناريو الأكثر إثارة هو أن يخرج الليكود باعتباره الحزب الأكبر، ثم تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة وينتهي الأمر برئيس وزراء آخر. وهنا سيكون سقوط نتنياهو أكثر إيلاماً: ليس سقوط الرجل الذي خسر الانتخابات، بل سقوط الرجل الذي فاز بالمقاعد وخسر السلطة.

 

إسرائيل بعد نتنياهو: هل يأتي التغيير فعلاً؟

لكن نهاية نتنياهو، إذا حدثت، لا تعني بالضرورة نهاية سياسات إسرائيل الحالية. وهذه نقطة جوهرية.

إسرائيل لا تتجه فجأة من اليمين إلى اليسار. بل إن جزءاً كبيراً من الخلاف الانتخابي الحالي يتعلق بشخصية القيادة، وإدارة الحرب، والعلاقة بين الجيش والسياسة، وشكل الدولة، والخدمة العسكرية، والعلاقة مع الولايات المتحدة، أكثر مما يتعلق بانقلاب كامل في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

لذلك فإن “ما بعد نتنياهو” قد يكون إسرائيل “أقل نتنياهوية”، لا إسرائيل مختلفة جذرياً. وقد يكون أيزنكوت أو بينيت قادراً على تغيير أسلوب إدارة الدولة من دون تغيير كل ثوابتها الأمنية. وهذا ما يجعل الانتخابات المقبلة أكثر أهمية من مجرد تغيير اسم رئيس الوزراء.

 

الرجل الذي لا يمكن إسقاطه أصبح قابلاً للهزيمة

على مدى سنوات، نجح نتنياهو في تحويل نفسه إلى ظاهرة سياسية: يسقط خصومه، تتغير الأحزاب، تتبدل الحكومات، ويبقى هو. لكن الانتخابات المقبلة تضع هذه الأسطورة أمام اختبار حقيقي. الأرقام لا تقول إن نتنياهو انتهى. لكنها تقول إن حصانته الانتخابية القديمة انتهت.

أيزنكوت يتقدم عليه في بعض الاستطلاعات، والليكود يفقد أحياناً موقع الصدارة، ومعسكر نتنياهو لا يضمن 61 مقعداً، بينما بدأت المعارضة تقترب من تشكيل أغلبية بديلة. والأهم أن الناخب الإسرائيلي لم يعد مضطراً للاختيار بين “نتنياهو والفوضى”.

لقد ظهر بديل أمني وسياسي يمكنه أن يقول للناخب، يمكن أن تكون إسرائيل قوية من دون نتنياهو. وهذه الجملة، إذا ترسخت في الوعي الإسرائيلي قبل 27 تشرين الأول، قد تكون بداية النهاية. فنتنياهو لا يخوض الآن معركة من أجل ولاية جديدة فحسب. إنه يخوض معركته الأخيرة للحفاظ على الفكرة التي صنعت إمبراطوريته السياسية: أن إسرائيل لا تستطيع أن تُحكم من دونه.

 

قد تكون انتخابات 2026 هي المرة الأولى التي يذهب فيها الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع وهم يسألون سؤالاً مختلفاً: ماذا لو كان زمن نتنياهو قد انتهى فعلاً؟..

 

.



 

Post Author: SafirAlChamal