حياد لبنان.. خيار استراتيجي بين نقيضين (26)… صبحي عبدالوهاب

تنشرسفير الشمال″ على حلقات كل يوم ثلاثاء دراسة حول طرح ″الحياد″ أعدها الباحث صبحي عبدالوهاب، وفيما يلي الحلقة رقم 26..

فتحت “أطروحة الحياد اللبناني” مجدداً، ملفات سياسية شائكة ومتداخلة، ظنت معها غالبية اللبنانيين أنه قد تم إغلاقها منذ زمن بعيد. ولكن على وقع الهتافات التي شهدها الصرح البطريركي الماروني والتي تصف “حزب الله” بالإرهابي وتندد بإيران لتدخلها وهيمنتها على لبنان وعلى بلدان اخرى على نطاق الإقليم وتنسجم  تلك الهتافات مع الدعوة العلنية الى عدم السكوت على السلاح غير الشرعي في لبنان لأن عظمة حركات المقاومة أن تعمل بكنف الدولة، إذ “لا يوجد جيشان أو جيوش في دولة واحدة ولا شعبان في دولة واحدة”، لذلك رأى حينذاك عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله  ” كنا نتوقع تصرفاً مختلفاً حول ما حصل في بكركي”، وإعتبر أن هناك “من يتلطى خلف البطريركية المارونية” في لبنان ، في حين لم يغب عن ذاكرة اللبنانيين أن من الحقائق التاريخية المدونة  أن البطاركة والمطارنة الموارنة والكنيسة المارونية  إستطاعوا جميعهم وفي محطات ومناسبات مختلفة تعبئة الموارنة ودفعهم للسير في طريقهم وقادوا السياسة العامة في أزمنة السلم والحرب، وهذا ما أشار اليه في وقت من الأوقات رئيس جامعة روح القدس- الكسليك الأب يوحنا ثابت في تاريخ 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1984 إحياءاً للذكرى المئوية الرابعة للمدرسة المارونية في روما” إن الموارنة مسؤولون عن لبنان، عن كل لبنان، وعن كل فئات لبنان”، وأكد على أن “بين جدران تلك المدرسة وعى الموارنة دورهم السياسي الى جانب دورهم الكنسي والروحي والحضاري”. وهذا ما دفع عدد واسع من المنابر الإعلامية التي تدور في فلك البيئة الفكرية السياسية لحزب الله الى إعتبار “مشروع الحياد” وربطه بمؤتمر دولي يضع يده على الأزمة اللبنانية. ويفتح الباب على صراع جديد في لبنان تقوده البطريركية المارونية، وسط تجمع لمناصري أحزاب وتيارات سياسية معادية لمشروع المقاومة وأن رسالتها واضحة وهدفها واضح، الشعارات التي رفعت في الصرح البطريركي في بكركي من قبل الجموع كانت أيضاً واضحة. فرفع هتاف “حزب الله إرهابي” في قلب الصرح من قبل هذا الجمهور ليس بسيطاً، انطلاقاً من الحدث نفسه وما قيل فيه وما هتف به. المقدمات التي تبرر هذا الهدف هي نزع لبنان من واقعه في خارطة الصراع، وتحييده كما لو أنه جزيرة معزولة عن محيطها وقضاياها المصيرية. فالحياد الذي ينادي به البطريرك الراعي يلاقيه ويشجعه المتضررون من سلاح المقاومة، وهم أصلاً جزء من مشروع غير محايد ومتورطون في أجندات إقليمية ودولية غير خافية على أحد، ولا تتفق فعلياً مع سيادة لبنان ووحدته،  وهذا يستدعي بدوره طرح السؤال هو كيف تستقيم الدعوة إلى تحييد لبنان في ظل الصراع مع “إسرائيل” التي تحتل جزءاً من أراضي لبنان، وتهدد بالعدوان عليه ونهب ثرواته النفطية؟ وهل مطلب الحياد ينسحب على الموقف من “إسرائيل” وبالتالي شطبها من خانة العدو الذي يهدد الهوية والمصالح اللبنانية؟ وفي هذا السياق، قال الكاتب السياسي اللبناني غسان سعود في حديث “للميادين نت” إنه “لم يكن مستغرباً أن يهتف جمهور معادٍ لحزب الله بأنه حزب “إرهابي”، فقد سبق لهم التعبير عن هذا الموقف بأشكال مختلفة. إنما الغريب كان سكوت البطريرك الراعي عن هذه الهتافات، وقبوله بتحويله الصرح البطريركي إلى مساحة لشتم مكون لبناني بهذا الشكل، والتحريض عليه واعتماد التوصيف الأميركي – الخليجي – الإسرائيلي وبمجرد سكوته عن هذا الهتاف هو موافقة عليه، وهو بالتالي انحياز واضح ومفضوح لجمهور ضد جمهور، ولمحور ضد محور”، وأنه “وباصطفافه العلني الواضح بهذا الشكل، يكون البطريرك قد دمر بنفسه كل منطق الحياد الذي ينادي به. مع العلم أن الكتاب المقدس يقول: (…) أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!”. وعليه، وفق سعود، على البطريرك الالتزام بالحياد، ويلزم جماهير الصرح بالحياد، ثم يفكر بدعوة الآخرين للالتزام بالحياد، وأن “الانقسام اليوم هو بين محورين: الأول يبدأ من حزب الله، ويمر بإيران وسوريا والعراق وينتهي في روسيا والصين. والثاني يبدأ عندنا من تيار المستقبل والقوات اللبنانية وبعض المنظمات الدولية، ويمر بالسعودية والإمارات و”إسرائيل”، وينتهي في الولايات المتحدة”. الحرب هي بين هذين المحورين، ودائما وفق ما اشار اليه سعود، لافتاً إلى أنه “من يريد تحييد لبنان من محور لا يمكن أن يكون جزءاً من المحور الآخر” وأن “كل من كانوا في بكركي هم جزء من محور، ويتلقون الدعم المالي والإعلامي والمعنوي من محور. ولا يمكنهم بالتالي الحديث عن الحياد لأنهم غير حياديين”. ولفت الى انه “في لبنان، قلة قليلة جداً التي هي حيادية، فالمواقف السياسية والإجتماعية والإقتصادية تتناقض مع خيار الحياد، وكل من لديه رأي لا يمكنه أن يكون حياديا لأن  “الحيادية تتناقض مع الحرية وحقوق الإنسان والطبيعة الإنسانية. حين تجد شعباً يقتل وتقرر أن تكون حيادياً هذا يعني أنك من دون مشاعر ومن دون كرامة ولست إنساناً”.

واما وتيرة التصعيد وجواباً على سؤال “ماذا يعني الحياد؟”، قال محلل الميادين للشؤون العسكرية والأمنية شارل أبي نادر إن “من يطلب الحياد في لبنان اليوم في ظل الصراع مع العدو الإسرائيلي كأنه يطلب الاستسلام”، لافتاً إلى أن “الحياد يعني نزع السلاح ونزع القدرة لأن يكون هناك موقف سيادي يحمي لبنان ويحافظ على ثروته”. وبحسب أبي نادر، فإن “نقطة الخلاف الأساسية الآن والتي قد تكون مخفية، هي الثروات اللبنانية التي هي بحاجة إلى الحماية لأن لبنان سيكون وفقا لأبي نادر على خط زلازل وسوف يستفرد به، وبالتأكيد لا يمكن للبنان أن يقاتل أو يواجه هذه الضغوط الدولية والضغوط الإقليمية، وخاصة من “إسرائيل” منفرداً، إنما هو بحاجة لأشقاء يقفون بجانبه ويدعمونه.


مواضيع ذات صلة


Post Author: SafirAlChamal