علي الطاهر.. ماذا تخفي “السيطرة العملياتية” الإسرائيلية؟

خاص – سفير الشمال

 

منذ أن أعلن الجيش الإسرائيلي ما أسماه “السيطرة العملياتية” على تلة علي الطاهر، تحوّل الموقع إلى عنوان جديد في السردية الإسرائيلية حول الجنوب اللبناني، بما يتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية وإعلامية استثمارية واضحة.

 

ولأن مصدر هذه المعطيات هو الجيش الإسرائيلي نفسه، فإن التعامل معها يحتاج إلى كثير من التدقيق، خصوصاً أن عبارة “السيطرة العملياتية” لا تعني بالضرورة سيطرة ميدانية شاملة ودائمة على التلة، بل قد تكون مرتبطة بعملية عسكرية محددة الأهداف والنطاق.

 

واللافت أن البيان الإسرائيلي نفسه يترك مساحة واسعة لهذا التفسير، إذ يقول إن أعمال تحييد البنية التحتية تحت الأرض ما زالت مستمرة، وإن الجيش سيعيد الانتشار دفاعياً بعد انتهاء هذه الأعمال. 

وهذا يعني أن الحديث عن “السيطرة” قد يكون مرتبطاً بمرحلة من العملية العسكرية، لا بإقامة وجود إسرائيلي دائم في الموقع.

 

كذلك، فإن استهداف فتحات الأنفاق لا يساوي السيطرة على المنشأة، كما أن وجود أنفاق أو استهداف مساراتها لا يثبت السيطرة على كامل التلة. وحتى الحديث الإسرائيلي عن عدم وجود إيرانيين داخل المنشأة يبقى جزءاً من الرواية الإسرائيلية، خصوصاً أن لا معطيات مستقلة تؤكد الأساس الذي بُني عليه هذا الاستنتاج.

 

ويستحق توصيف علي الطاهر باعتبارها “منشأة” واحدة ذات أهمية استراتيجية التوقف أيضاً، إذ إن المعطيات تشير إلى وجود أكثر من منشأة في الموقع، فيما سبق لإسرائيل أن أعلنت استهداف إحدى المنشآت المرتبطة بعلي الطاهر. ما يعني أن الصورة التي تقدمها إسرائيل عن الموقع ليست دقيقة، ولا سيما في ظل غياب معلومات تفصيلية من المقاومة.

 

فالمقاومة، منذ نحو ثلاثة أشهر، تعتمد سياسة “الغموض البناء” في مقاربة المواجهة، ولم تدخل في سجال إعلامي حول العمليات الإسرائيلية أو تعلن تفاصيل عن مواقعها وقدراتها، رغم أن إسرائيل دأبت على تقديم روايات عن إصابات واستهدافات واتخذت منها ذرائع لتوسيع اعتداءاتها ضد المدنيين. وبالتالي، فإن غياب رواية مقابلة من المقاومة لا يعني التسليم بالرواية الإسرائيلية.

 

ثم إن علي الطاهر ليست موقعاً ظهر فجأة في المشهد. فالتلة تتعرض منذ نحو ثلاث سنوات لقصف واستهداف متواصلين، ما يؤكد أن إسرائيل كانت توليها أهمية عسكرية قبل الإعلان الأخير، وأن العملية الحالية تأتي في سياق مسار طويل من الاستهداف.

 

أما التوقيت السياسي للإعلان، فلا يمكن فصله عن حاجة نتنياهو إلى تقديم إنجازات عسكرية وأمنية أمام الداخل الإسرائيلي عشية الانتخابات، ولا سيما أن الإعلان جاء في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه عن الإفراج عن الأسرى، بما يفتح الباب أمام قراءة الخطوة في إطار الاستثمار السياسي والإعلامي للعمليات العسكرية.

 

واللافت أن ملف تلة علي الطاهر لم يُطرح بهذه الحدة إلا بعد اتفاق الإطار الذي دخلت من خلاله السلطة اللبنانية في مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهو الاتفاق الذي أتاح للعدو هامشاً أوسع للحركة وذرائع لمواصلة القصف والتفجير ونسف المنازل تحت عناوين أمنية مختلفة.

 

وقد برزت المطالبة بتسليم التلة إلى الجيش اللبناني. لكن الموقف اللبناني الذي طُرح كان أن الجيش لا يستطيع تسلّم موقع لا يملك القدرة على الدفاع عنه، خصوصاً في ظل غياب ضمانات حقيقية تمنع إسرائيل من الدخول إليه مجدداً، سواء من الجانب الأميركي أو الإسرائيلي.

 

أما المقاومة، فكانت تعتبر أن تلة علي الطاهر تقع خارج منطقة جنوب الليطاني والترتيبات المرتبطة بالقرار 1701، وبالتالي فإن وضعها يرتبط بالحوار الداخلي واستراتيجية الأمن الوطني، لا بالترتيبات الخاصة بالمنطقة الواقعة جنوب الليطاني. فضلاً عن أن الجيش اللبناني لم يطالبها بتسليم الموقع.

 

لذلك فإن ما أعلنته إسرائيل عن “السيطرة العملياتية” على علي الطاهر يحتاج إلى قراءة تتجاوز العنوان العسكري. فالبيان الإسرائيلي نفسه يتحدث عن استكمال أعمال التحييد ثم إعادة الانتشار، وهو ما يجعل من المبكر التعامل مع الإعلان باعتباره سيطرة دائمة أو احتلالاً مستقراً للتلة.

 

ويبقى الأهم أن لا تتحول الرواية الإسرائيلية، بمجرد صدورها، إلى حقيقة نهائية في الداخل اللبناني. فعلي الطاهر ليست فقط موقعاً عسكرياً، بل جزء من معركة أوسع على الأرض، وإسرائيل تبدو حريصة على تقديم العملية باعتبارها إنجازاً استراتيجياً كبيراً.

 

أما حقيقة ما جرى وحجم السيطرة وطبيعة الوجود الإسرائيلي في الموقع، فتبقى مرتبطة بما ستكشفه الأيام المقبلة، لا بما يقوله البيان الإسرائيلي وحده.

Post Author: SafirAlChamal