فجأة أراد فؤاد مخزومي أن يقنع بيروت بأن زلزالًا سياسيًا ضربها من خلال 11 مقعدًا في انتخابات اتحاد العائلات البيروتية تحولت، بين ليلة وضحاها إلى مشهد ضخم: احتفالات، صور،
رسائل سياسية، وقراءات عن تبدّل المزاج البيروتي، حتى بدا وكأن العاصمة حسمت خياراتها، ووضعت مفاتيحها السياسية في جيب مخزومي.
لكن خلف هذا المشهد الصاخب، تقف حقيقة أبسط بكثير، بيروت لم تنتخب مخزومي، عشرات آلاف الناخبين لم يتوجهوا إلى الصناديق ولم يكن هناك استفتاء شعبي على زعامته ولا مواجهة انتخابية تسمح بإعادة رسم الخريطة السياسية للعاصمة، بل ما جرى كان انتخابات داخل اتحاد، بهيئة ناخبة محدودة ونظام تمثيل خاص.
لكن مخزومي احتاج إلى صورة أكبر وهنا بدأت المسرحية 11 مقعدًا تحولت إلى «تسونامي»، ونتيجة داخل إطار ضيق جرى تسويقها كأنها تحول بيروتي شامل، فيما جرى تجاهل الفارق الهائل بين صندوق اتحاد وصندوق مدينة كاملة.
المطلوب لم يكن فقط إعلان نتيجة بل صناعة رواية سياسية جديدة: أن مخزومي يتقدم، وأن بيروت تغيّرت، وأن زعامة جديدة بدأت تتشكل، لكن الزعامات لا تُصنع في غرف الدعاية، ولا تتحول الأصوات المحدودة إلى تفويض شعبي بمجرد تكبير الصور ورفع سقف الاحتفال.
ما حصل كان محاولة واضحة لصناعة حجم سياسي بالإخراج، لا بالأرقام لتكبير للنتيجة، وتضخيم للحدث، واستثمار سريع في كل صورة وتصريح ومشهد، قبل أن يطرح أحد السؤال الأساسي من انتخب أصلًا؟
فالـ11 مقعدًا ليست 11 منطقة بيروتية ولا تمثل 11 شريحة شعبية ولا تعني أن العائلات البيروتية سلّمت قرارها السياسي لمخزومي، بل هي مجرد نتيجة داخل إطار محدود، لكن جرى نفخها حتى كادت تصبح أكبر من العاصمة نفسها.
والأكثر لفتًا أن مخزومي بدا وكأنه لا يريد انتظار الانتخابات النيابية كي يختبر حجمه الحقيقي، فاختار أن يصنع من استحقاق محدود نسخة مصغرة عن «نصر كبير»، وأن يحوّل الصورة إلى بديل عن الصندوق
فبدل أن تبقى الانتخابات في حجمها الطبيعي، جرى إخراجها كعرض سياسي متكامل، وكأن بيروت خرجت من صناديق الاقتراع وقالت كلمتها أما الحقيقة، فهي أقل درامية بكثير، لا تسونامي، لا انقلاب سياسي ولا تفويض بيروتي، فقط 11 مقعدًا ومسرحية كبيرة جرى بناؤها حولها.
أما بيروت الحقيقية، فموعدها مع الصندوق لم يأت بعد وعندما يأتي، وحدها الأرقام ستكون قادرة على تحديد من يملك الشارع ومن كان يملك فقط الإضاءة والمسرح.




