جنوب لبنان بعد اليونيفيل: نهاية مهمّة أم فراغ أمني يخدم العدوان؟.. بقلم: العميد منذر الأيوبي

دخل ملف قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل” مرحلة جديدة تتجاوز مسألة تجديد ولايتها أو إنهائها أو تعديل مهامها. فالمطروح اليوم بات مرتبطاً بمستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه الأمم المتحدة خلال هذه المرحلة الدقيقة.

 

ومع صعود آخر جندي من القبعات الزرق إلى سفينة المغادرة، ستكون المشكلة، لا بل المأزق الحقيقي، إحتمال دخول أجزاء كبيرة من الجنوب في فراغ أمني، مع ما قد يرافقه من ضعف في ممارسة السيادة، ذلك على خلفية قدرات محدودة للجيش اللبناني، سواء على مستوى الانتشار والمهام أو استلام بعض مراكز القوات الأممية، في ظل استمرار العدو ارتكاب انتهاكاته واعتداءاته، مجتزئاً ما استطاع من أرض، مدمراً ما بُني من حجر، ومهجّراً ما بقي من بَشَر..!

 

وإذا كان الحيز الخالي من السيادة رسمه العدو بالأصفر محاولآ نزع هويته مع فرضه منطقة عازلة، فإن ما قد يليه يمكن أن يكون أخطر وأعظم، وفق ما تشير الوقائع الميدانية ومسار العمليات: منطقة أمنية ثانية، قد يسعى إلى تثبيتها عبر محاصرة المواقع العصيّة للمقاومة ومنشآتها تحت الأرض، وترك مهمة استنزافها للقصف الجوي، بما يمنحه عامل الوقت. 

وهذا ما يجعل كل المساعي الجارية حالياً أمام اختبار صعب في تحقيق الأهداف الثلاثة: الانسحاب، إستعادة الأسرى، وإعادة الإعمار، لتبقى الخشية أن يتحول الوقت المسلوب، مع استمرار المواجهة، إلى واقع يفرض نفسه في الميدان.

 

مما لا شك فيه أن المسألة اكتسبت حساسيتها من طبيعة الدور الذي أدته اليونيفيل. فقد شكّل انتشارها على مدى سنوات جزءاً من منظومة للمراقبة والاتصال واحتواء الاحتكاكات، إضافة إلى حضور دولي مباشر يشهد على الشرعية والسيادة، وهذا ما تحاول إسرائيل السطو عليه: الشرعية الشعبية والسيادة الوطنية

 

هنا تصبح المرحلة اكثر ضبابية: بين مفاوضات روما الثلاثية المتعثرة، وانتخابات إسرائيلية قد تذهب نحو تأجيل، ومشهد أميركي تحكمه تجاذبات داخلية وتوازنات حزبية بالتزامن مع انقسام سياسي وطني عمودي مُزمِِن، ما يجعل الجنوب خاضعاً لوقائع ميدانية أسرع من قدرة السياسة على احتوائها.

 

وإذ فرض القرار 2790 نفسه باعتباره عنوان المرحلة المقبلة، بعد التمديد الأخير لولاية اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة من البحث في الترتيبات التي ستلي انتهاء مهمتها، وما يمكن أن يكون للأمم المتحدة من دور في دعم تنفيذ القرار 1701 وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.

 

فالانسحاب لا يعني انتفاء الحاجة إلى الوظيفة الدولية، كما لا يعني أن الفراغ يمكن أن يُملأ تلقائياً بمجرد زيادة الانتشار اللبناني. إذ أن انتهاء مهمة اليونيفيل سيكون بداية لإعادة تعريف دور القوى البديلة او المتعددة الجنسيات، هنا تظهر أهمية الفصل بين شكل الوجود الدولي وبين الوظيفة التي يؤديها، وبالتالي مستقبل الجنوب في الجغرافيا والديموغرافيا.

 

توازياً، لا يمكن تجاهل المسؤولية الوطنية للجيش، وهي تختلف في طبيعتها عن الوظيفة التي تؤديها قوات الأمم المتحدة. إذ سيكون في قلب المرحلة المقبلة الطرف الوطني الرئيسي المُعوّل عليه، فيما تحتاج هذه المرحلة تعزيز قدراته البشرية والتقنية واللوجستية، إضافة إلى توفير الدعم السياسي والعسكري والمالي الذي يسمح له أداء دوره بصورة أكثر فاعلية.

 

ورغم كل الضجيج المُثار حوله من حين إلى آخر من أطراف التجاذب المحلي، سواء بالأصالة أو الوكالة، يبقى الجيش الطرف الموثوق الذي يمثل الدولة اللبنانية ويعمل وفق المهام المكلف بها، فهو الحاضن الوطني للسيادة والطرف المخوّل حصراً بممارسة مسؤولياتها، ولهذا تبدو الصيغة الأكثر واقعية قائمة على تكامل الدورين: جيش لبناني يتحمل المسؤولية الوطنية، وحضور دولي يؤدي وظيفة المراقبة والاتصال والمواكبة ضمن إطار الشرعيةالأممية.

 

من جهة أخرى؛ فرضت واقعية أكثر تشاؤماً ما عكسه النقاش داخل قاعة مجلس الأمن الدولي، في جلسته الأخيرة بدعوة من فرنسا؛ سيما بين الأخيرة والولايات المتحدة، كما سجل تباين في الوجهة الدولية للمسارات المقترحة وسياقات المرحلة المقبلة. تفصيلاً، دفعت المقاربة الأميركية باتجاه إنهاء مهمة اليونيفيل، انطلاقاً، وعلى ذمتها، من فكرة تعزيز مسؤولية الدولة اللبنانية وقدرات الجيش في إدارة الجنوب. أما المقاربة الفرنسية فتبدو أكثر تفهمآ ارتباطاً بمخاطر المرحلة الانتقالية، والحاجة إلى الحفاظ على عنصر دولي يساعد في إدارة الوضع الميداني ومنع استباحة أمنية.

 

هذا التباين يستحق قراءة متبصرة من السلطة السياسية، لأن الخلاف الحقيقي تجاوز مستقبل اليونيفيل نفسها إلى شكل الترتيبات التي ستأتي بعدها. ثم إن حال الفراغ، إن حصل، سيزيد مساحة التأويل، ويضعف آليات المراقبة والاتصال، وبالتالي يرفع احتمال سوء التقدير، وبالتالي مستوى السجال السياسي ليصب في مصلحة العدوان. من هنا، تصبح المرحلة الانتقالية عاملاً حاسماً. فكلما كانت عملية الانتقال، قبل انتهاء مهمة “اليونيفيل”، أكثر تنظيماً وأوضح مهاماً وآليات تطبيق، انخفضت احتمالات الفراغ وسوء الحسابات.

 

ماذا يريد لبنان؟ بات من الصعوبة الدفاع عن بقاء اليونيفيل بصيغتها الحالية بعد القرار 2790. في المقابل، فإن السكوت على إنهاء المهمة دون دور دولي بديل وفاعل سيحمل مخاطر أمنية وسياسية إضافية يصعب تجاهلها.

 

المصلحة اللبنانية تكمن في رؤية موضوعية، تدفع نحو صيغة تضمن استمرار الحضور الدولي، مع الحفاظ على قنوات الاتصال الدبلوماسي وتعزيز حضور الجيش اللبناني. هذه الصيغة تحتاج إلى مناخ لبناني متضامن، بعيدآ عن التجاذبات والمصالح الفئوية، موقف موحد تشارك في بلورته مؤسسات الدولة المعنية، بالتنسيق مع القوى السياسية الفاعلة على مختلف تنوعاتها، بحيث تدخل بيروت أي مفاوضات دولية برؤية استراتيجية واضحة ومطالب محددة. ورقة موقف” (Position Paper) متكاملة تمكن صانع القرار السياسي والعسكري اللبناني الاستفادة منها في صياغة رؤيته لـ “اليوم التالي. بدلاً من أن ينتظر ما يُقرر في الخارج.

 

ورغم كل المندرجات السلبية التي صاغها اتفاق الإطار، فقد نكون أمام فرصة تجاوزه عبر العودة إلى تفعيل القرار 1701 بما يحفظ للبنان مساحة أكبر لتحمل مسؤولياته، ويمنح المجتمع الدولي وسيلة عملية للضغط على اسرائيل، سيما بعد نكوصها عن تنفيذ التزاماتها الواردة في متن القرار الأممي او اتفاق واشنطن، لكن نجاح هذا المسار يرتبط ايضآ بعامل الوقت وهو ليس ترفاً.والسؤال الذي سيحسم المرحلة ليس هل ستغادر اليونيفيل، فهذا بات مقرراً، وإنما هل سيغادر معها الدور الدولي، أم سيعاد تشكيله بما يمنع تحول انتهاء المهمة إلى بداية فراغ أمني جديد في جنوب لبنان..؟

 

الكاتب: العميد منذر الأيوبي 

 

عميد متقاعد مختص في الشؤون الامنية ومكافحة الارهاب.

 

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal