منذ توقيع اتفاق الإطار بين السلطة اللبنانية والكيان الإسرائيلي، والمماطلة سيدة الموقف، فلا وقف لإطلاق النار، ولا انسحاب، ولا جدية في تطبيق “المناطق التجريبية” التي يسعى العدو إلى تحويلها إلى مناطق محرّمة على أهلها، في ظل مخططاته ونواياه الخبيثة الهادفة إلى استيطان “المنطقة الصفراء”، وتفريغ ما حولها من بلدات وقرى لتأمينها من هجمات المقاومة، وتحويل الجيش اللبناني إلى حرس للاحتلال.
ولا شك في أن التدمير الممنهج الذي تعتمده إسرائيل، وجرفها الأراضي وصولاً إلى المقابر، فضلاً عن وضع البوابات وبناء الجدران وحفر الخنادق، يؤكد بما لا يقبل الشك أن العدو لا يفكر بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا ينوي تنفيذ أي بند من بنود الاتفاق الذي يدرك العالم أجمع أنه وُلد ميتاً، باستثناء السلطة اللبنانية التي تصرّ على الاستمرار به، والذهاب إلى جلسات التفاوض تحت النار، ما يحول دون قدرتها على انتزاع أي مطلب أو حق، ويجعل دورها يقتصر على الاستماع إلى الشروط الإسرائيلية.
وما يؤكد هذه الوقائع هو سياق الأمور، بدءاً من عدم الانتقال إلى مناطق محتلة للانسحاب منها ودخول الجيش اللبناني إليها، وصولاً إلى عدم وجود آلية واضحة للتنفيذ، وقيام إسرائيل بعرقلة تشكيل لجنة التحقق الميدانية، من خلال وضع الفيتو على عدد من الدول المرشحة للمشاركة فيها.
وفي الوقت نفسه، يربط العدو الصهيوني الانسحاب بنزع سلاح المقاومة، والانتقال إلى مناطق جديدة بلجنة التحقق من خلو المناطق من السلاح، ما يعني عملياً “وضع العصي في الدواليب”، وعدم الانسحاب، والاستمرار في مخطط إسرائيل القاضي بربط جنوب لبنان بجنوب سوريا ضمن منطقة عازلة، لتأمين المستوطنات الشمالية في فلسطين المحتلة.
واللافت أنه في الوقت الذي يُفترض فيه انسحاب إسرائيل من البلدات والقرى الجنوبية بشكل تدريجي وفقاً لاتفاق الإطار “الميت سريرياً”، تتجه الأنظار إلى تلة علي الطاهر التي يسعى العدو إلى احتلالها لاستثمارها في صناديق الاقتراع لمصلحة بنيامين نتنياهو ورسم صورة انتصار يحتاجها، إلا أن موازين القوى، وجاهزية المقاومة التي اختبرتها إسرائيل قبل أسبوعين، إلى جانب الحسابات الإقليمية والدولية، من المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى سعي الرئيس ترامب إلى التهدئة في الشرق الأوسط عشية الاستحقاقات الانتخابية، كل ذلك يمنع إسرائيل من تحقيق هدفها.
لكنه يؤكد في الوقت نفسه حقيقة ثابتة، وهي أن العدو يستفيد من ضعف السلطة اللبنانية وضيق هامش المناورة لديها، لاستفرادها وفرض وقائع جديدة على الأرض، ولن تستطيع السلطة، رغم مكابرتها ووضع كل أنواع “الماكياج” على اتفاق الإطار، أن تجمّله أو أن تجمّل الواقع، أو أن تدفع نحو تطبيقه، خصوصاً أن العدو لا يقيم وزناً لاتفاق، ولا لجلسات تفاوض يستغلها لرفع مستوى التصعيد والحصول على تنازلات لبنانية إضافية، لم يعد أحد قادراً على تحمّل تداعياتها الكارثية.





