الوديعة ليست رقماً في ميزانية المصرف.. حدود سلطة الدولة في توزيع خسائر الانهيار المالي اللبناني!.. بقلم: المحامي ميشال فلاّح

بعد نحو سبع سنوات على انكشاف الانهيار المالي والمصرفي في لبنان، لم يعد السؤال الجوهري يتمثل في كيفية إعادة تشغيل القطاع المصرفي فحسب، بل في سؤال أكثر حساسية، من يتحمل قانوناً الخسائر التي أصابت النظام المالي، وهل يجوز أن يتحول المودع إلى الطرف النهائي الذي يتحمل تبعاتها؟

تكتسب هذه المسألة راهنيتها مع استمرار العمل على الإطار التشريعي للانتظام المالي واسترداد الودائع، وبعد إقرار مجلس النواب في آب الجاري تعديلات على قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، في خطوة اعتبرها صندوق النقد الدولي تقدماً مهماً، مع استمرار النقاش حول مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.

غير أن المعالجة التشريعية للأزمة لا يمكن أن تُقاس فقط بقدرتها على إعادة الاستقرار إلى القطاع المصرفي أو استيفاء متطلبات الإصلاح الدولي. إذ تبقى خاضعة للدستور، ولحماية الحقوق المالية المكتسبة، ولمبدأ العدالة في توزيع الأعباء العامة.

 

الوديعة وحق الملكية

يحتل حق الملكية موقعاً مركزياً في النظام الدستوري اللبناني. فالمادة 15 من الدستور تنص على أن “الملكية في حمى القانون”، ولا تجيز نزع الملكية إلا للمنفعة العامة وفي الحالات المنصوص عليها في القانون وبعد تعويض عادل. 

كما أن مقدمة الدستور تؤكد أن النظام الاقتصادي اللبناني يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن كل حق ناشئ عن عقد مصرفي يتمتع بصورة مطلقة بالحماية المقررة للملكية العينية. إلا أن الوديعة المصرفية، من منظور قانوني، تمثل حقاً مالياً ثابتاً للمودع في ذمة المصرف. ومن ثم فإن إلغاؤها أو تخفيضها أو إعادة ترتيبها بصورة تؤدي عملياً إلى انتقاص جوهري منها يثير، على الأقل، مسألة التوفيق بين سلطة المشرّع في تنظيم الحقوق الاقتصادية وبين الضمانات الدستورية المقررة للملكية.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين تنظيم ممارسة الحق وبين إهداره أو مصادرته. فالأزمة المالية قد تبرر تدابير استثنائية، لكنها لا تعني، بذاتها، تعليق الدستور.

 

هل يجوز نقل الخسائر إلى المودعين؟

تتمثل إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في ترتيب الأولويات عند توزيع الخسائر. فالخسائر المتراكمة في النظام المالي اللبناني نتجت عن تداخل عوامل تتصل بالمالية العامة، والسياسة النقدية، وإدارة مصرف لبنان، والممارسات المصرفية، فضلاً عن عوامل اقتصادية وسياسية أخرى.

لذلك، فإن تحميل المودعين الخسائر بصورة مباشرة قبل استنفاد مساهمات الأطراف التي تتحمل قانوناً ومؤسسياً مسؤولية أكبر يثير إشكالية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية إلى مبدأ العدالة والمساواة في توزيع الأعباء.

وفي هذا السياق، شدد صندوق النقد الدولي في شباط الماضي على ضرورة احترام ترتيب الدائنين، وألا تُحمّل الخسائر للمودعين قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة.

وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في الحالة اللبنانية. إذ إن إعادة هيكلة المصارف لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع الخسائر بطريقة تجعل أصحاب الحقوق الأضعف في المركز النهائي لتحملها.

 

بين المصلحة العامة وحماية الملكية

تستند السلطة العامة، في دفاعها عن التدابير الاستثنائية، إلى ضرورة حماية الاستقرار المالي والاقتصادي باعتباره جزءاً من المصلحة العامة. وهو اعتبار مشروع من حيث المبدأ، بل قد يبرر في ظروف استثنائية فرض قيود مؤقتة على بعض الحقوق الاقتصادية.

وقد ذهب مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع نفسه إلى تأسيس بعض إجراءاته على المصلحة العامة وحماية النظام العام الاقتصادي، وربطها بالمادة 15 من الدستور وبالاجتهاد الدستوري.

غير أن الاعتراف بالمصلحة العامة لا يمنح السلطة التشريعية أو التنفيذية سلطة غير محدودة. فالتدخل في الملكية يجب أن يكون مستنداً إلى قانون، ومحققاً للغاية العامة، ومتناسباً معها، وغير تعسفي. والأهم أن توزيع الأعباء الناتجة عن الأزمة يجب ألا يقوم على التضحية بحقوق فئة معينة لمجرد أنها الحلقة الأسهل في التنفيذ.

 

الدلالة الدستورية لقرار مجلس شورى الدولة

اكتسب هذا النقاش بعداً قضائياً بالغ الأهمية مع قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 21 أيار الفائت، الذي رد طلب الدولة إعادة المحاكمة في النزاع المتصل بقرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 20 أيار 2022.

وتكمن أهمية القرار في تأكيده أن السلطة التنفيذية لا تستطيع، تحت عنوان معالجة الأزمة المالية، أن تلغي ديوناً أو تشطب ودائع من دون سند تشريعي صريح واحترام الضمانات الدستورية المرتبطة بحق الملكية. كما اعتبر أن إلغاء الديون أو شطب الودائع يمس جوهر الحق في الملكية، مع عدم إنكار إمكانية اتخاذ تدابير استثنائية في الأزمات متى استندت إلى الإطار القانوني والدستوري المناسب.

وهذا الاجتهاد يضع حداً فاصلاً بين إدارة الأزمة وإعادة صياغة الحقوق.فالأولى قد تدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية في نطاق القانون، أما الثانية فتتطلب تدخلاً تشريعياً صريحاً، وتبقى مع ذلك خاضعة للرقابة الدستورية.

 

مشروع استرداد الودائع واختبار المشروعية

يقترح مشروع الانتظام المالي واسترداد الودائع معالجة متفاوتة بحسب حجم الوديعة. إذ أعلنت الحكومة أن المودعين الذين تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار سيستردون كامل هذا المبلغ، مع الفوائد المتراكمة، خلال أربع سنوات، بينما يحصل أصحاب الودائع الأكبر على الدفعة الأولى نفسها، ثم على سندات قابلة للتداول تمثل الرصيد المتبقي.

ومن الناحية القانونية، لا يكفي السؤال عما إذا كانت الآلية تحقق “استرداداً”بالمعنى الاقتصادي. بل يجب بحث ما إذا كان تحويل جزء من الحق النقدي المستحق إلى أدوات مالية مؤجلة يحافظ على القيمة القانونية والاقتصادية الفعلية للحق.

فالفارق كبير بين تأجيل تنفيذ الحق بصورة مؤقتة ومتناسبة، وبين استبداله بحق آخر قد تختلف قيمته وسيولته ومخاطره بصورة جوهرية. ومن هنا، ينبغي أن يخضع أي نظام لاسترداد الودائع لاختبار واضح: هل حافظ على جوهر الحق أم أعاد تعريفه بما يؤدي عملياً إلى إنقاصه؟

 

مِن “الفجوة المالية” إلى المسؤولية القانونية

إن استعمال تعبير “الفجوة المالية” لا ينبغي أن يحجب السؤال السابق عليه، كيف نشأت هذه الفجوة، ومن يتحمل مسؤولية نشوئها؟ فإذا كانت الخسائر تمثل نتيجة تراكم قرارات وسياسات وأخطاء مؤسسية، فإن معالجتها لا يمكن أن تكون محايدة من الناحية القانونية. ولا يجوز أن تتحول الحاجة إلى إغلاق الفجوة إلى قاعدة تلقائية تقضي بتوزيعها بالتساوي على جميع أصحاب الحقوق.

فالعدالة تقتضي ترتيب المسؤوليات قبل ترتيب الخسائر. وهذا يعني أن إعادة الهيكلة يجب أن تبدأ، منطقياً وقانونياً، بتحديد مساهمات الدولة والمصرف المركزي والمصارف والمساهمين وسائر أصحاب المصالح، قبل الانتقال إلى حقوق المودعين.

 

ختاماً، تقف الدولة اللبنانية اليوم أمام اختبار يتجاوز إنقاذ القطاع المصرفي. إنها أمام اختبار سيادة القانون في زمن الأزمة.

فلا خلاف على أن إعادة بناء النظام المصرفي ضرورة وطنية، ولا على أن معالجة الخسائر المالية تتطلب قرارات صعبة. لكن صعوبة القرار الاقتصادي لا تعفي السلطة العامة من القيود الدستورية، ولا تجعل المودع مسؤولاً تلقائياً عن خسارة لم يصنعها.

والقاعدة التي ينبغي أن تحكم أي تشريع نهائي ليست حماية المصارف ولا إرضاء المؤسسات الدولية ولا حتى استعادة الثقة وحدها، وإنما إعادة التوازن بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.

ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن للدولة أن تعيد هيكلة الودائع؟ بلإلى أي حد تستطيع أن تفعل ذلك من دون أن تتحول إعادة الهيكلة إلى مصادرة مقنّعة للملكية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، ما إذا كان التشريع المنتظر يمثل بداية العدالة المالية في لبنان، أم مجرد إعادة توزيع قانونية لخسائر الانهيار على من بقيت له حقوق قابلة للمطالبة.

والقاعدة الدستورية الأكثر وضوحاً في هذا السياق تظل بسيطة، الأزمة قد تبرر تنظيم الحق، لكنها لا تبرر إلغاء الحق من دون سند قانوني وضمانة دستورية وعدالة في توزيع الأعباء.



Post Author: SafirAlChamal