على وقع الإنذارات المتواصلة والاستهدافات التي لم تهدأ على، أُسدلت الستارة في واشنطن على الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية التي استمرت يومين برئاسة السفير سيمون كرم التي استطاع لبنان من خلالها تمديد الهدنة 45 يوما وهو أقصى ما كان يمكن الوصول إليه في هذه المرحلة، في ظل إدراك واضح بأن إسرائيل لا تريد عملياً تثبيت وقف نهائي لإطلاق النار، بل تسعى إلى إبقاء الوضع ضمن “تهدئة مضبوطة” تسمح لها بالحفاظ على هامش واسع للتحرك العسكري والأمني متى تشاء.
الإدارة الأميركية أعلنت بالتوازي إطلاق مسار أمني داخل البنتاغون في 29 أيار بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين، إضافة إلى مسار سياسي في 2 و3 حزيران المقبل، في إشارة واضحة إلى أن المفاوضات تجاوزت إطار احتواء التصعيد نحو البحث في ترتيبات أمنية وسياسية أوسع للمرحلة المقبلة.
وتشير المصادر إلى أن بعبدا تلقّت نتائج الجولة بإيجابية حذرة، باعتبار أن ما تحقق ينسجم مع المسار الذي عمل عليه الرئيس جوزاف عون خلال الأسابيع الماضية، سواء عبر اتصالاته الخارجية لتكثيف الضغط الدولي على إسرائيل، أو من خلال التنسيق المباشر واليومي مع الوفد اللبناني المفاوض فتحولت بعبدا خلال الساعات الماضية إلى غرفة عمليات سياسية – دبلوماسية مفتوحة على خط واشنطن، حيث جرى التشاور بشكل متواصل ووضع رئيس الجمهورية في صورة كل التفاصيل والمداولات أولاً بأول.
لكن العقدة الجوهرية بقيت على حالها: غياب أي ضمانات فعلية تُلزم إسرائيل بوقف الخروقات والاستهدافات والاغتيالات. فالتجارب منذ القرار 1701 أثبتت أن إسرائيل لم تتخلَّ يوماً عن سياسة الضربات الموضعية والتصعيد المدروس تحت عنوان “الدفاع عن النفس”، ما يمنحها عملياً هامشاً مفتوحاً لتنفيذ أي عملية عسكرية أو أمنية في أي توقيت تعتبره مناسباً، حتى في ظل أي تفاهم أو اتفاق قائم.
وتقول مصادر سياسية لـ«سفير الشمال» إن ما حصل عليه لبنان اليوم يمثل السقف الواقعي الممكن في ظل التعنت الإسرائيلي، ولا سيما مع إصرار تل أبيب على ربط أي تثبيت دائم لوقف إطلاق النار بملف سحب سلاح حزب الله أولاً.
وتكشف المصادر أن واحدة من أبرز الأفكار التي طُرحت خلال الجلسات تمثلت في مشروع أميركي يقوم على تجهيز قوة خاصة من الجيش اللبناني بالعديد والعتاد اللازمين، لتتولى لاحقاً تنفيذ مهام ميدانية مرتبطة ببسط سلطة الدولة ونزع سلاح الحزب
في المقابل، تشدد مصادر أمنية على أن الجيش اللبناني “لن يكون شريكاً في تنفيذ أي أجندة خارجية داخل الأراضي اللبنانية”، مؤكدة أن المؤسسة العسكرية ستتحرك حصراً وفق قرارات السلطة اللبنانية، وبما يعكس توافقاً وطنياً داخلياً.
وفي موازاة ذلك، كشفت مصادر سياسية عن ان الطروحات الإسرائيلية خلال المفاوضات تضمنت مطالب سياسية تتجاوز الملف الأمني، أبرزها إسقاط لبنان لقانون تجريم التعامل مع إسرائيل، إلا أن الجانب اللبناني أبلغ بشكل واضح أن هذا الطرح غير وارد في المرحلة الحالية، وأن أي تفاهم محتمل لا يعني بأي شكل من الأشكال الذهاب نحو التطبيع، بل يندرج حصراً ضمن إطار العودة إلى هدنة أمنية وترتيبات تضمن استقرار الحدود ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.
وفي المحصلة، تبدو الصورة حتى الآن أقرب إلى إدارة دقيقة للتوتر ومنع الانفجار الكبير، لا إلى تسوية نهائية مكتملة. فالمفاوضات مستمرة، لكن الجنوب وحتى الداخل لا يزال معلقاً بين هدنة هشّة وميدان مفتوح على احتمالات التصعيد في أي لحظة، في ظل غياب الثقة وانعدام الضمانات الحقيقية.




