إتفاق17 أيار لن يتكرّر.. والشعب يكتب ميثاق السيادة!.. وسام مصطفى

تختزن الذاكرة الوطنية محطات مفصلية في تاريخ لبنان لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت صراعاً وجودياً بين خيارين: خيار “لبنان القوي بضعفه” والمستسلم للإملاءات، وخيار “لبنان المقاوم” الذي يرفض مقايضة سيادته بالأمن الوهمي.

اليوم، وبينما يرزح لبنان تحت العدوان الإسرائيلي الشامل على الدولة والشعب والسيادة والتدمير الممنهج، وفي ظل جولات التفاوض في واشنطن، تستدعي اللحظة الراهنة قراءة عميقة في تاريخ “اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣” المشؤوم الذي سقط بفعل ثورة الشعب والوحدة الإسلامية والوطنية، ليكون بوصلة العمل السياسي والنيابي اليوم.

لم يأتِ “اتفاق الذلّ” من فراغ، بل كان وليد الاجتياح الصهيوني صيف العام ١٩٨٢ الذي احتل العاصمة بيروت وأسقط الحالة السياسية العامة في لبنان لتندفع “إسرائيل” وواشنطن آنذاك إلى استغلال الهزيمة الميدانية بتحصيل مكسب سياسي استراتيجي يخرج لبنان من محيطه العربي ويلحقه بركب “كامب ديفيد”.

كانت الخلفيات الميدانية توحي بأن موازين القوى قد حسمت؛ فبيروت محتلة، والقوى الوطنية في حالة تراجع تنظيمي، والغطاء الدولي كان متاحاً بالكامل للمشروع الإسرائيلي؛ وكانت السلطة اللبنانية تراهن على الاتفاق سبيلاً وحيداً لانسحاب الاحتلال، مع إدراكها أن ثمن الانسحاب كان “رهن السيادة” وجعل لبنان محمية أمنية إسرائيلية بامتياز.

الدم الذي كسر القيد

بينما كان البعض في الغرف المغلقة يوقع على بنود الاستسلام، كانت الضاحية الجنوبية لبيروت، وتحديداً “بئر العبد”، تغلي بروح المقاومة.

هنا برزت انتفاضة مسجد الإمام الرضا محطة غيرت وجه التاريخ.. في تلك الساحة، تجلت الإرادة الشعبية التي لم ترهبها الدبابات. كانت المساجد هي منطلقات الثورة، حيث تحولت المنابر إلى منصات للتوعية والاستنهاض ورفض “اتفاق الذل”.

وفي غمرة التظاهرات التي واجهتها السلطة والاحتلال بالرصاص، ارتقى الشهيد محمد نجدي، ليشطب بحبر دمه بنود ١٧ أيار، ويعطي استشهاده زخماً كبيراً للشارع ويثبت أن القوة العسكرية مهما بلغت، لا يمكنها كسر إرادة شعب قرر الحرية.

الوحدة الإسلامية والخط الوطني

كان العامل الحاسم في إسقاط الاتفاق عام ١٩٨٤ هو الوحدة الإسلامية والوطنية التي تجسدت في أبهى صورها. لم تكن الانتفاضة فئوية، بل كانت صرخة جامعة التقت فيها مساجد الضاحية وبيروت مع الكنائس والقوى الوطنية والعروبية في الجبل والشمال والبقاع، ولم تكن الصلاة فيها مجرد طقس عبادي، بل كانت فعلاً ثورياً يجمع الفقراء والمثقفين والعلماء تحت شعار واحد: “لا للاستسلام”.

وتجلّى التلاحم الميداني عبر المظاهرات التي انطلقت من بئر العبد والغبيري والشياح والتقت مع نبض المقاومة الوطنية، مدعومة من جبهة الخلاص الوطني والخط العروبي الذي رفض تحويل لبنان إلى خنجر في خاصرة فلسطين والعرب.

هذا التلاحم أدى في نهاية المطاف إلى انتفاضة ٦ شباط ١٩٨٤، التي أدت إلى انهيار أجهزة السلطة الداعمة للاتفاق، مما أجبر الدولة اللبنانية رسمياً على إلغاء الاتفاق في ٥ آذار ١٩٨٤، في أكبر صفعة للدبلوماسية الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

ما يشهده لبنان اليوم في واشنطن من مفاوضات يعيد إلى الأذهان الأجواء الضاغطة ذاتها، فالعدو الإسرائيلي بتوجيه ودعم أمريكي يعتمد استراتيجية “التفاوض تحت النار”، حيث يستهدف الحجر والبشر ويمارس تدميراً ممنهجاً للقرى الجنوبية لفرض شروط أمنية تمس بالسيادة الوطنية، تماماً كما حاول فعل ذلك في الثمانينيات، ويمكن رصد أوجه التشابه بين الزمنين في عدة صور أهمها:

١- الابتزاز الميداني من خلال استخدام القوة المفرطة في القتل والتدمير لانتزاع تنازلات سياسية لا يستطيع العدو الحصول عليها بالحرب.

٢- انحياز أمريكي مطلق، حيث تؤدي واشنطن اليوم، كما في ١٩٨٣، دور “الوسيط” الذي يتبنّى الرؤية الإسرائيلية تحت مسمى “ترتيبات أمنية”.

٣- الرهان على التعب الشعبي، حيث يعتقد العدو أن تعميق الأزمة بأبعادها الأمنية والسياسية والاجتماعية وسحل قرى بكاملها في الجنوب سيجعل اللبنانيين يقبلون بأي اتفاق مقابل وقف النار.

٤- استغلال الانقسام اللبناني الداخلي والتنافر الحاصل بين المقاومة والسلطة لدفع الأخيرة إلى توقيع اتفاق استسلام بأيدٍ مكبّلة ونقل المشكلة إلى الداخل.

وأمام ذلك هل ينجح المسعى الامريكي – الصهيوني في استنساخ تجربة ١٧ أيار جديد!؟ إن تجربة الميدان والتاريخ التي ترصّعت بدماء محمد نجدي وانتفاضة المساجد والشارع تضع القوى والاحزاب والتيارات الوطنية اللبنانية وممثلي الشعب في مجلس النواب، أمام مسؤولية تاريخية، فالمطلوب اليوم ليس مجرد الرفض اللفظي، بل حزمة من الإجراءات والمواقف الصلبة تبدأ من رفض المقايضة بين الإعمار والسيادة، فلا يجوز القبول بأي بند يمنح الاحتلال حق التدخل أو حرية الحركة في الأجواء أو المياه اللبنانية تحت أي ذريعة أمنية.

إن الوحدة الوطنية تسمو على الاعتبارات الفئوية، وعلى القوى السياسية أن تدرك أن سقوط أي منطقة لبنانية تحت الشروط الإسرائيلية هو سقوط للوطن بأكمله، وأن التشرذم الحالي ثغرة وجودية ينفذ منها “المفاوض” الإسرائيلي ليملي شروطه الامريكية على الجانب اللبناني.

إن أي اتفاق يمس بالسيادة الوطنية يجب أن يواجه بقوة القانون والإرادة الشعبية، ومن هنا فعلى النواب أن يكونوا صوتاً للوطنيين اللبنانيين ولأهل الجنوب والنازحين الذين فقدوا بيوتهم لكنهم لم يفقدوا كرامتهم، وهذا ما يتطلّب استحضار روح “بئر العبد” من خلال حثّ القوى الوطنية على تفعيل العمل الشعبي والتوعوي لتوضيح مخاطر أي اتفاق قد يحول لبنان إلى منطقة عازلة أو يسلخ جنوبه عن سيادته الوطنية.

سقط اتفاق ١٧ أيار لأن الشعب اللبناني آمن بأن كلفة المقاومة أقل من كلفة الاستسلام، واليوم وعلى الرغم من التطورات السياسية والعسكرية، تبقى القاعدة ثابتة: السيادة لا تتجزأ، والأمن الحقيقي لا يُشترى بالتنازل عن الكرامة.

إن دماء الشهداء، من محمد نجدي إلى آخر مقاوم على ثغور الجنوب اليوم، تفرض علينا ألا نعود إلى زمن الإذعان، ولبنان الذي أسقط “الترتيبات الأمنية” المهينة وهو في أوج ضعفه، قادر اليوم وهو في أوج صموده على انتزاع وقف للعدوان يحفظ الأرض والعرض والسيادة، بعيداً عن أروقة واشنطن التي لا تتقن سوى لغة الإملاءات الأمريكية والإسرائيلية.

 


Post Author: SafirAlChamal