عندما يتحول المجتمع الى آلة مسيّرة!… مرسال الترس

في مطلع أعمارنا كنا نسمع من الأكبر سناً أن تظاهرة خرجت في مدينة طرابلس من اجل المطالبة باستقلال الجزائر، أو احتجاجاً على الصراع في روديسيا وجنوب افريقيا او على الحرب التي قسّمت كوريا، امتداداً الى فييتنام. لتتحول التظاهرات الاحتجاجية في النصف الثاني من الستينيات رفضاً لاحتلال مدينة القدس وصحراء سيناء وبقي هذا النمط من الاحتجاجات حتى إندلاع حرب السنتين في العام 1975، لتتحول الاهتمامات إلى طائفية رسخّت تشرذم المناطق وتهجير أهلها ناهيك عن الصراعات بين أفرقاء الصف الواحد.

بعد الطائف وحرب التحرير تحكمت الأحزاب والتيارات بالشارع، وبات أي تحرك لأية فئة يفسَّر على أنه موجّه ضد فئة محددة أخرى، إنطلاقاً من ترسيخ الأفكار المذهبية التي فعلت فعلها في تمزيق المجتمع.

وما إن أطل السابع عشر من تشرين الأول عام 2019 وظهرت ملامح حد أدنى من توحد بين اللبنانيين حتى إنقضت الفئات المتضررة لتوجه الاتهامات عشوائياً ويصبح المستهدف الدولة اللبنانية بكل مكوناتها التي تجمع بحد أدنى التركيبة القائمة بغية إزاحتها من الطريق وإفساح المجال امام عودة “المليشيات” أو ما يشبهها لتسهيل إطلاق حرب أهلية جديدة بين أبناء الوطن.

واللافت انه عندما انطلقت شرارة التحرك الشعبي كانت من أجل زيادة بسيطة جداً على اسعار الهاتف الخلوي وبعدها بدأ الدولار بالتحليق حتى وصل بالأمس إلى مشارف الأربعين الف ليرة لبنانية والتحركات في الشارع خجولة في وقت تتأزم الأمور على صعيد الأقليم حيث يتم تنظيم “مسيرة الأعلام”  ليهود متطرفين يوم الأحد في 29 آيار  الجاري لإحياء يوم “توحيد القدس” باقتحام كبير للمسجد الأقصى وبمسيرة أعلام ضخمة يعوضون من خلالها إخفاق مسيرة العام المنصرم.

ويُعدّ يوم “توحيد القدس” “عيدا وطنيا” لإحياء ذكرى استكمال سيطرة إسرائيل على مدينة القدس، واحتلال الجزء الشرقي منها، وعلى وجه الخصوص البلدة القديمة، وذلك خلال حرب حزيران عام 1967. وهدم “قبة الصخرة” ساعة يُتاح لها الأمر.

ولأن لبنان تحوّل إلى طاحونة جوع وفوضى وفلتان وتقسيم طائفي ومذهبي فهو بعيد كل البعد عن ما يحصل في محيطه الاّ وفق روزنامة غربية ترسم له خرائط التحرك وكأنه تحوّل الى آلة مسيّرة مبرمجة على أنماط مدروسة من إيقاع التحركات التي تستهدف صرحاً ينهار أسمه الدولة اللبنانية.


مواضيع ذات صلة


Post Author: SafirAlChamal