السنّة في لبنان.. الى التهميش!… غسان ريفي

أما وقد إنقضت الانتخابات النيابية، وإنتهت الاحتفالات الصاخبة المترافقة مع السجالات حول من يمتلك الأكثريات والأقليات، ومع مباشرة المجلس المنتخب في 15 أيار مهامه التشريعية إعتبارا من اليوم، فإن نظرة سريعة لتكوين المجلس الجديد قد تلمح كل الطوائف ممثلة بتكتلات نيابية وازنة، باستثناء السنّة بعدما فازوا في الانتخابات فرادى ومن لوائح مختلفة، ومن دون أي إطار يمكن أن يجمعهم أو أن يعطيهم ثقلا سياسيا.

يبدو حتى الآن، أن ولادة تكتل سني وازن في مجلس النواب الجديد يحتاج الى معجزة غير متوفرة في هذا الزمن، خصوصا في ظل التشظي غير المسبوق والذي أدى الى أن يكون التمثيل السني “من كل وادي عصا”.

وبالرغم من كل الأوهام التي يعيشها البعض، فإن مجلس النواب سيكون أمام حضور سني باهت، معطوف على غياب القرار، وإنعدام التأثير، وسيكرّس ذلك تهميشا سيكون من أولى تداعياته وصول رئيس حكومة ضعيف هذا إن حصل وتم تكليف رئيس جديد، وزيادة من الاحباط في المجتمع السني المحاصر بالأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية.

لم يسبق للسنة في لبنان أن غابوا عن المشهد السياسي بهذا الوضوح، خصوصا أن عدم القدرة على تشكيل إطار يجمع الأكثرية النيابية السنية، سيجعل النواب الذين ملأوا الدنيا إحتفالات تارة بالتغيير وأخرى بالخرق، لقمة سائغة، وسيُسهّل على كثير من التيارات السياسية التي تتحكم فيها طوائف أساسية كسب ولائهم فرادى سواء بالترهيب أو بالترغيب.

هذا الواقع، سيجعل 27 نائبا سنيا موزعين على كتل سياسية لا يملكون فيها القرار، في حين أن أكبر كتلة يمكن أن تشكل منهم قد لا تتعدى نائبين فقط، وفي حال أراد بعض النواب إعادة تجربة اللقاء التشاوري إلا أنه يبقى إطارا معنويا يضم نوابا بانتماءات مختلفة، ما يعني أن السنّة الذين يشكلون الأمة والوعاء الذي يستوعب كل الطوائف، سيكون نوابهم مجرد ودائع في تكتلات وكتل نيابية كبرى سواء ضمن حركة أمل، أو حزب الله، أو التيار الوطني الحر أو القوات اللبنانية المستفيدة من هذا الضعف، أو اللقاء الديمقراطي، أو ثورة 17 تشرين، وهذا بحد ذاته غياب للطائفة عن القرار السياسي فكيف سيكون شكل مجلس النواب في ظل عدم وجود إطار يجمع هذا المكون السني؟.

لا شيء يجمع بين النواب السنة المنتخبين من عكار الى طرابلس فالضنية والمنية وبيروت وصيدا والبقاع والاقليم، حتى أن المرجعية الدينية المتمثلة بدار الفتوى قد لا تتمكن من إستيعابهم أو إحتضانهم لما يحملونه من أفكار وطروحات لا تتلاءم مع الواقع السني والالتزام الديني، فكيف تتبنى دار الفتوى نائبا يروّج للزواج المدني أو يسمح بالمثلية أو ينادي بالعلمانية، خصوصا بعد الحملة التي نظمها عدد من المشايخ ضد هؤلاء؟، وكيف يمكن لهذه الدار أن تضع يدها في نواب لا يمكن أن تمون على قرارهم المستمد من جهات أخرى؟.

لا شك في أن المناداة بالتغيير في بلد محكوم بالتوافق، وتتحكم فيه كل أنواع الحساسيات السياسية والطائفية والمذهبية والمناطقية ليس أمرا سهلا، كما ليس سهلا جمع بعض النخب المثقفة المنتخبة ضمن إطار نيابي واحد لأن لكل منهم فكر وطروحات ومفاهيم وثقافة، وهي قد تكون ترشحت تحت عنوان التغيير لكن رؤية المشهد السياسي تحتاج الى واقعية غير متوفرة لدى الكثيرين الذين بدأت التناقضات تظهر بوضوح في طروحاتهم.

في خلاصة القول، فإن المجلس النيابي الجديد ولأول مرة منذ إتفاق الطائف سيكون من دون كتلة سنية وازنة، وأن كثيرا من النواب السنة لن يكون لديهم مظلة وسيذوبون في التكتلات النيابية، وبالتالي فإن السنة في لبنان عموما لن يكون عندهم كبير في المرحلة المقبلة ما سيترك الساحة السنية مفتوحة على كل الاحتمالات أخطرها التوترات الأمنية والاتجاه نحو التطرف، كل ذلك، يفرض على الرئيسين نجيب ميقاتي وسعد الحريري أن يعيدا النظر في مقاربتهما للمشهد السياسي اللبناني.


مواضيع ذات صلة


Post Author: SafirAlChamal