حياد لبنان.. خيار استراتيجي بين نقيضين (27)… صبحي عبدالوهاب

تنشر ″سفير الشمال″ على حلقات كل يوم ثلاثاء دراسة حول طرح ″الحياد″ أعدها الباحث صبحي عبدالوهاب،  وفيما يلي الحلقة 27..

لم يفاجأ أحد من اللبنانيين بما تضمنته عظة البطريرك بشارة الراعي يوم الأحد الواقع فيه 19 أيلول/ سبتمبر 2021 في كنيسة سيدة إيليج تكريما لشهداء المقاومة اللبنانية من إصرار وعزم شديدين على “مواصلة المقاومة اللبنانية الحضارية السلمية، والصمود بقوة الإيمان والرجاء، على مثال بطاركتنا القديسين الذين قادوا هذه المسيرة في إيليج كما في يانوح وهابيل وكفرحي وعمشيت وقنوبين والديمان وبكركي وفي المقار البطريركية التي كانوا يلجأون إليها بحسب ظروف العهود، وعروشهم على ظهورهم”.

ورأى الراعي أن الذاكرة المتعلقة بدماء الشهداء يجب أن لا تكون مجرد ذكرى لماض حدث، بل حاضراً يتفاعل في ضمائرنا جيلاً بعد جيل، وأن “الشهداء يحيون كلما تابعنا المسيرة الوطنية، من أجل السيادة والاستقلال وحرية القرار. فلا تخافوا ولا تيأسوا، فكل ما ترونه اليوم مرحلة صعبة وتمضي، بالصلاة والصمود، بحسن الخيار والتمسك بالثوابت، بوحدة الصف والعمل الوطني الدؤوب، بتغيير الواقع بالوسائل الديموقراطية، برفض الهيمنة والصراع الوطني تعمق، والولاء للبنان إنحرف حتى دخلنا عتبة الإنهيار. لذلك، فإن مطالبتنا بمعالجة واقع الإنهيار يهدف إلى المحافظة على وحدة لبنان وهويته لأن تفاقم الوضع صار يشكل خطراً عليهما”.

ولفت قائلاً: “نتذكر أن ما حققه آباؤنا وأجدادنا والجيل المقاوم، كان بعرق الجبين ودم الشهداء، بالصمود والمقاومة، بالعلم والإبداع. لم يقاتل أحد عنا. العمالة ليست من مكونات الشخصية التاريخية المسيحية في لبنان. من يقاوم ويستشهد في سبيل قضية لا يتقبل العمالة وتعددية الولاءات. ومن يسترجع التاريخ، القديم والحديث، يكتشف أن المسيحيين في لبنان، وبخاصة الموارنة، ما تعرضوا للحروب والإضطهاد إلا لأنهم رفضوا العمالة والخضوع وآثروا الصداقة والتحالف على أسس الكرامة الشخصية والسيادة الوطنية”.

أثارت العظة حمية الشيخ أحمد إسماعيل الذي وصفته بعض المصادر بأنه من أصحاب المواقف الحادة وتم نشر رده العالي النبرة على ما جاء في العظة، في هجوم عنيف غير مسبوق في السجالات السياسية اللبنانية العامة على موقع إلكتروني هو “صدى الولاية” تحت عنوان: “خسئت يا راعي البقر”

وأبدى مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الخوري عبدو أبو كسم  في 21 ايلول/ سبتمبر 2021 دهشته بما صدر عن الشيخ إسماعيل من “لغة هابطة وسوقية لا تليق بتاتاً بشيخ ديني مليء بالحقد والكراهية ضدّ الدولة فأراد صب غضبه عليها، لكنه أخطأ العنوان وصوّب سهامه نحو غبطة البطريرك وإرث البطاركة المجاهدين في سبيل لبنان والدفاع عن حدوده التي لولا البطريرك الياس الحويك عام 1920 لا نعرف إذا كان هذا الشيخ إستحق حمل الهوية اللبنانية”.

وإعتبر الشيخ إسماعيل مرة أخرى  أن الأب أبو كسم ” بالرغم من معرفته به تماماً فقد شرع بحشد بعض الكلمات ورصف بعض العبارات التي لا تشبه أدبياتنا نحن علماء الدين.

وبدورها الرابطة المارونية لم تؤثر الصمت فعبرت عن غضبها  بقولها: “إنه وعلى الرغم من إشارة الشيخ المذكور بعدم علاقته بهذا التصريح على صفحته، وقوله إنه يعود الى شخص يحمل الإسم نفسه، فإن ما ورد من كلام في حق بكركي، واتهامات في حق شخصيات وطنية لبنانية وفي مقدمها الرئيس بشير الجميل ووسمها بالعمالة والإرتهان للاسرائيلي، ونكء الجراح، والتمنين بحماية البلدات المسيحية في البقاع الشمالي من خطر التكفيريين، والتعبير عن كل ما يمكن أن يختزنه قلب إنسان من ضغينة، فان كلامه مرفوض جملة وتفصيلاً، ونهجه الفتنوي مدان، خصوصا انه يطاول قامة روحية سامية هي البطريرك الراعي الذي يرعى لبنان، كل لبنان، بمحبته وانفتاحه واصراره على الوحدة بين ابنائه في إطار التحاور الحضاري بين أبناء الديانات السماوي”..

وهكذا تتأثر الحياة اليومية في لبنان، بالعنف السياسي الذي يفوق العنف المسلح والذي يبقي المجتمع اللبناني في حال إنقسام سياسي وإجتماعي ويسود الإعتقاد معه لدى المراقبين والمتابعين أن حروب الإقتتال قد تندلع في أية لحظة من لحظات التخلي وأن لبنان معرّض بالفعل للتأثر بالتوترات الإقليمية، وقد يكون من أسباب إستمرار دائرة العنف المتعدد الوجوه، هو الإخفاق في التعامل مع إرث النزاعات التي هي وليدة الماضي البعيد وتفتح الأبواب واسعةً أمام الملفات الشائكة المختلف عليها وهي أبعد بكثير من “الإعتراض” على أطروحة الحياد أو “التحفظ” عليها والتي ستتم الإضاءة عليها في مرحلة لاحقة.


مواضيع ذات صلة


 

Post Author: SafirAlChamal