منتدى “لبنان أولاً وأخيراً” يتجاهل الاحتلال الإسرائيلي.. سيادة على من؟!.. غسان ريفي

تحت عنوان “لبنان أولاً وأخيراً”، انعقد المنتدى الوطني للسيادة في فندق لو رويال – ضبيه، وخرج بتوصيات تناولت حصرية السلاح والحياد والإصلاح واستعادة الودائع واللامركزية والاستثمارات وتطوير البنى التحتية والسياحة والثقافة. 

لكن المفارقة الصادمة أن منتدى يضع “السيادة” في صلب عنوانه لم يجد في بيانه الختامي مساحة ولو صغيرة للحديث عن الاحتلال الإسرائيلي، والعدوان المتواصل على لبنان، والقتل والتدمير والتهجير والتجريف، ومسح 62 بلدة وقرية جنوبية عن الخريطة اللبنانية، ولا عن التعنت الإسرائيلي في المفاوضات ومحاولات فرض الشروط على الدولة اللبنانية.

 

ليست هذه ثغرة عابرة في بيان طويل، بل خلل جوهري في تحديد الأولويات، يطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن الحديث عن استعادة السيادة فيما يجري التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي وكأنه أمر واقع لا يستحق حتى الإشارة إليه؟

 

المفارقة الأكبر أن المشاركين اعتبروا نزع سلاح حزب الله شرطاً أساسياً لقيام الدولة الفعلية، لكنهم لم يروا في الاحتلال الإسرائيلي للأرض اللبنانية، وما يمثله من انتهاك للسيادة والكرامة الوطنية، سبباً يستوجب موقفاً واضحاً. 

وكأن المشكلة الأساسية تكمن في السلاح الموجود داخل لبنان، لا في العدو الذي يحتل أرضه، ويعتدي على شعبه، ويحاول فرض الوقائع بالحديد والنار.

 

ولا يتعلق الأمر هنا بتأييد سلاح حزب الله أو معارضته، ولا بالخلاف حول حصرية القرار العسكري، بل بمعيار السيادة نفسه. فإذا كانت السيادة تعني احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم، فهي تعني أيضاً تحرير الأرض المحتلة، وحماية الحدود، ووقف الاعتداءات، ورفض الإملاءات الخارجية.

 

أما اختزالها في ملف السلاح، مع إسقاط الاحتلال من الحسابات، فيحوّلها إلى مقاربة انتقائية كيدية تخدم اتجاهاً سياسياً بعينه، بدلاً من أن تشكل مشروعاً وطنياً متكاملاً.

 

والأمر نفسه ينسحب على الدعوة إلى الحياد، التي وردت في البيان باعتبارها وسيلة لحماية لبنان من صراعات الآخرين. فالحياد والسلام لا يعنيان تجاهل العدوان الإسرائيلي، ولا يعفي من المطالبة بمحاسبة المعتدي ووقف انتهاكاته.

 

أما المفاوضات، التي يفترض أن تكون وسيلة لاستعادة الحقوق ووقف العدوان وإنهاء الاحتلال، فقد غابت عنها الأسئلة الأساسية: ما موقف المنتدى من التعنت الإسرائيلي وعدوانه المستمر؟ وكيف ينظر إلى الشروط التي يحاول العدو فرضها على السلطة اللبنانية؟ وأين موقع حرية القرار الوطني من هذه المعادلة؟

 

لا شك في أن إعادة بناء الدولة لا تنفصل عن حماية أرضها وشعبها، وأن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يكون بديلاً عن مواجهة التحديات التي تهدد الأمن الوطني. 

وبالتالي، كان يُفترض بمنتدى يرفع شعار “لبنان أولاً وأخيراً” أن يضع استعادة الأرض ووقف الاعتداءات ورفض الشروط الإسرائيلية في صلب رؤيته، بالتوازي مع معالجة الأزمات الداخلية.

 

أما رفع شعار السيادة من دون تسمية الاحتلال، فلا يقدم مشروعاً متكاملاً لاستعادة الدولة، بل يطرح سيادة منقوصة تتوقف عند حدود الاحتلال.

 

أمام هذا الواقع، يبدو أننا نعيش أداءً سياسياً منطلقاته كيدٌ وحقدٌ وعقد تفوق، وقراءات ملتبسة وغبية لتطورات المشهد السياسي. وبالتالي، فإن الرهانات الخاطئة على تحولات ينتظرها هؤلاء في المنطقة تدفعهم باتجاه ركوب الموجة، أملاً في دور أو موقع لاحق.

 

هذه الرهانات تغيب عنها الرؤية السياسية والموضوعية، وتتعارض مع المصالح الوطنية العليا، وتضع هؤلاء في موقع العداء لشريكهم في الوطن، والتناغم مع عدو لطالما رغب بالهيمنة على لبنان. 

والأكثر من ذلك، أن هؤلاء الذين يتحدثون عن زمن الوصاية السورية والأهداف الإيرانية في السيطرة على لبنان، يتجاهلون هيمنة صهيونية واضحة إن تنامت فستكون أكثر قسوة وقهراً من كل ما عانى منه لبنان من وصايات.

 

لذلك، المطلوب وطنياً قراءة موضوعية وعلمية، والعودة إلى لغة الحوار، بدل العمل على تهميش شريحة أساسية في الوطن والدخول في حرب أزقة وزواريب.

 

والمستغرب أن يشارك في هذا المنتدى أشخاص ينتمون إلى بيئة ضميرها الجمعي يرفض هذا الأمر، وعليهم أن يدركوا أن الأكثرية في بيئتهم تقف ضد إسرائيل والسياسات الأميركية في المنطقة، وما تزال تعيش جرح غزة وفلسطين.

 

وهنا، الفارق شاسع بين أن نكتب تاريخنا بأحرف من نور ونضال وكرامة، وبين أن تنتظرنا مزابل التاريخ!..

Post Author: SafirAlChamal