قدّم خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، معطيات تؤكد بأن لبنان يتجه نحو مسار تفاوضي مع إسرائيل، وسط معلومات تتحدث عن اجتماع تحضيري محتمل بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن ندى حمادة معوض ويحيئيل ليتر منتصف الأسبوع الحالي، لوضع جدول أعمال الجولة الأولى من المفاوضات الرسمية، التي يُرجّح أن تُعقد في قبرص بوفد لبناني يرأسه السفير السابق سيمون كرم.
هذا المسار التفاوضي يثير تساؤلات واسعة في الداخل اللبناني، لا سيما في ظل الغموض الذي يحيط بالجهة الرسمية التي وافقت على الورقة التي أصدرتها وزارة الخارجية الأميركية، والتي قُدّمت على أنها تشكّل إطار تفاهم بين لبنان وإسرائيل.
وبالرغم من مرور أربعة أيام على صدور هذه الورقة، بقيت المسؤولية ضائعة على قاعدة: “تجهيل الفاعل”، وتغطيته بعنوان: “فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني”، في وقت يشعر فيه اللبنانيون بأن ما كان يُطرح في السابق تلميحا، بات اليوم يُعلن تصريحا وبشروط تميل بشكل واضح لمصلحة إسرائيل.
تتضمن ورقة التفاهم بنوداً لا تقل خطورة عن الإذعان والاستسلام، خصوصا لجهة تكريس ما يُسمّى “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة أية تهديدات”، وهو مفهوم فضفاض يُقدم لإسرائيل كل المبررات للاستمرار في اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية، فضلا عن تكليف الحكومة اللبنانية بمواجهة حزب الله داخليا لضبط تحركاته بما يخدم الأمن الإسرائيلي، ويحولها الى شرطي لحماية الحدود أو الأرض اللبنانية المحتلة بما بات يُعرف بالمنطقة العازلة.
الأخطر من ذلك أن الورقة تدفع لبنان الى مواقف سياسية بالغة الحساسية، من بينها الاعتراف بسيادة إسرائيل على أرض فلسطين المحتلة، وهذا يُعد من أسوأ ما يمكن أن يُطرح في السياق اللبناني نظراً لتداعياته الوطنية والإقليمية.
تؤكد المعطيات أن ورقة التفاهم تمت صياغتها في الدوائر الأميركية بالتنسيق الكامل مع إسرائيل، وتم فرضها على لبنان بحكم الصداقة المستجدة مع الولايات المتحدة، قبل أن تذهب “سكرة” وقف إطلاق النار وتأتي “فكرة” طبيعة الالتزامات التي تفرضها هذه الورقة على البلاد والعباد.
بالتزامن، تبدو الصورة الإقليمية مفتوحة على احتمالات تصعيد جديدة، خصوصاً مع ارتفاع “بورصة” التوتر بين إيران والولايات المتحدة على خلفية الملف النووي، مضيق هرمز ولبنان، كما أشار وزير خارجية باكستان.
وفي حال انفجر هذا الصراع مجددا نتيجة المواقف العالية السقف، فإن الحرب ستعود بشكل تلقائي الى لبنان، رغم كل ما يُشاع عن ترتيبات تهدئة منفصلة عما يدور في الإقليم.
وهذا الأمر يطرح سؤالا جوهريا لجهة: إذا كانت التهدئة في لبنان غير مرتبطة بإيران وناتجة عن جهود لبنانية ـ أميركية صرفة، فلماذا تنهار في حال انهيار التفاهمات الأميركية الإيرانية.
في هذا الإطار، يبدو لبنان في موقع ضعيف تفاوضياً، إذ يفتقر إلى أوراق ضغط حقيقية يمكن استخدامها في مواجهة إسرائيل، خصوصا أن المعطيات تشير إلى أن العدو حقق جزءاً كبيراً مما كان يسعى إليه مسبقاً، سواء من خلال فرض واقع أمني جديد في الجنوب، أو من خلال توسيع هامش حركته العسكرية تحت عنوان “الدفاع عن النفس”.
في حين أن رهانات لبنان على علاقاته الدولية وعلى صداقته مع الولايات المتحدة الأميركية غير مؤهلة لانتاج ضمانات فعلية، ما يجعلها أقرب الى الوهم من إمكانية اعتماد إستراتيجية يمكن البناء عليها.
كل ذلك، يزيد المعادلة الداخلية تعقيدا، في ظل الإنقسام العامودي بين السلطة السياسية والمقاومة، فالحكومة تمتلك القرار السياسي والشرعية الدولية، لكنها تفتقر إلى القدرة الميدانية، في حين تمتلك المقاومة القوة على الأرض من دون أن تكون صاحبة القرار الرسمي.
هذا التباين يضع لبنان أمام معادلة دقيقة، حيث لا يمكن الوصول إلى استقرار فعلي من دون تنسيق أو تفاهم داخلي بين الطرفين، وهو أمر لا يبدو متاحاً بسهولة في ظل الخلافات القائمة.
كما أن إصرار السلطة السياسية اللبنانية على السير بالأجندة المرسومة لها أميركيا، سوف يمنح إسرائيل القدرة على الإستفراد بلبنان واستغلال خلافاته وانقساماته لدفعه الى تشريع احتلالها ومنطقتها العازلة وحرية حركتها العسكرية مقابل منحه استمرار وقف إطلاق النار، ما قد يؤدي الى انفجار داخلي قد يضرب كل التفاهمات وتعود كلمة الفصل الى الميدان.






