لم يصمد إتفاق وقف إطلاق النّار بين لبنان وإسرائيل الذي أعلن ليل الخميس ـ الجمعة الماضي (16 ـ 17 نيسان الجاري)، والذي كان مؤقّتاً ولمدّة 10 أيّام، سوى ساعات فقط، ذلك أنّ العدو الإسرائيلي لم يتوقف عن اعتداءاته بحقّ لبنان، وإنْ كانت بوتيرة أخفّ، بالتزامن مع انهيار وقف إطلاق النّار بين إيران والولايات المتحدة بسبب إستمرار الحصار الأميركي للموانىء الإيرانية والردّ الإيراني بإعادة إغلاق مضيق هرمز، الذي كان قد أعيد افتتاحه لساعات، ما أعاد الأمور في لبنان والمنطقة إلى نقطة الصّفر.
فقد أكّدت تطوّرات الأيّام الماضية الإرتباط العضوي والوثيق بين الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بالحرب التي تشنّها إسرائيل بدعم أميركي على لبنان، وأنّ توقّف الحرب في السّاحة الإيرانية لن يُكتب له أن يُبصر النّور من دون توقّف الحرب على لبنان، ما جعل هدنة الأيّام العشرة هشّة ومؤقّتة، وبدت وكأنّها إستراحة محارب بانتظار جولات عنف أكثر حساسية وتعقيداً، وفي ضوء مؤشّرات مباشرة ومضمرة من الأطراف كافّة المشاركة في الحرب تركت إنطباعاً واسعاً بأنّها تستعد لاستئناف الصّراع مجدّداً.
فالعدوان لذي استمر على الجبهتين الإيرانية واللبنانية نحو 45 يوماً، إستطاعت المفاوضات التي جرت في العاصمة الباكستانية إسلام أباد بين إيران والولايات المتحدة بحضور أطراف إقليمية ودولية دخلوا على خطّ الوساطة، وفي العاصمة الأميركية واشنطن بين وفدين رسميين لبنان وإسرائيلي برعاية أميركية، أن تحقق تقدّماً نسبياً، بعضه تقدّم شكلي، إلّا أنّ جولات التفاوض هذه فشلت في التوصّل إلى اتفاق حاسم وواضح، ذلك أنّ أغلب نقاط التوافقات التي أعلن عنها لم تكن نهائية، وقرأها كلّ طرف من منظوره الخاص، في ظلّ تضارب كبير حول كيفية تطبيق هذه التوافقات المبدئيّة والأوليّة وكيفية الإنتقال إلى التوافقات والتفاهمات النهائية، في ظلّ إنعدام عوامل الثّقة بين أطراف التفاوض كافة.
فهدنة الأيّام العشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي تجري محاولات لتمديدها 10 أيّام أخرى، لا تبدو أكثر من حبوب مهدّئة لصراعٍ قاسٍ بين قوى متحاربة، ذلك أنّ إسرائيل لا تبرح تعلن عن سعيها لإرساء واقع أمني على الأرض يناسب مصالحها، لم تستطع تأمين معظمه، وفشلت في تحقيق أغلب أهدافها من عدوانها على لبنان، في حين أوضح حزب الله وحلفائه بعد صمود أسطوري للمقاومين في الميدان، عن رفضٍ تامٍ وغير قابل للنقاش في العودة إلى اتفاق وقف العدوان في العام 2024، لأن التزامه به طيلة 15 شهراً قابله الطرف الإسرائيلي باستمرار عدوانه على لبنان بلا توقّف ولا رادع، ومشدًداً على أنّه من غير الممكن أبداً تكرار تجربة الإتفاق السّابق مرّة جديدة.
وما يجعل هدنة الأيّام الـ10 ليست أفضل حالاً من بقية الإتفاقات والتفاهمات السّابقة، أنّ إسرائيل حاولت فيها، بدعم أميركي، على تأكيد “حقّها” في التحرّك دفاعاُ عن النفس بمواجهة أيّ تحرّك قد تراه أو تفسّره على أنّه يُشكّل تهديداً لها وعدواناً عليها، من غير أن يُعطى هذا الحقّ للبنان، إنطلاقاً من مبدأ العدالة والمساواة، الأمر الذي جعل الهدنة الأخيرة ينظر إليها من طرف حزب الله وحلفائه، على أنّها هدنة غير عادلة وعرضة للإنتكاس والسّقوط عند أول اختبار لها.




