عودة رغم الدمار.. النازحون يكتبون أولى فصول ما بعد الحرب!.. صبحية دريعي

مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم ينتظر النازحون طويلًا منذ اللحظة الأولى، تكثفت الاتصالات، تبادلوا الأخبار، وتقاطعت المشاعر بين الخوف والأمل لكن القرار كان واحدًا، وهو: العودة.

 

عودة إلى القرى التي تركوها قسرًا، إلى البيوت التي قد تكون تغيّرت ملامحها، وإلى الأرض التي بقيت، رغم كل شيء، تناديهم.

 

لم يسألوا عن الطرقات ولا عن التقارير الأمنية، ولا حتى عن حجم الدمار. 

كان الشوق أقوى من كل الحسابات شوقٌ إلى بيت، إلى زاوية، إلى رائحة تراب لا تُعوّض.

 

من مراكز الإيواء في الشمال، كانت الانطلاقة. قوافل من السيارات بدأت تتشكّل تباعًا، عائلات تحزم ما تبقّى من أغراضها على عجل، وعيون تختزن شهورًا من التعب والنزوح. لم تكن الرحلة عادية، بل كانت رحلة عودة محمّلة بالقلق، وبأسئلة لا أجوبة واضحة لها.

 

الطرقات بدت وكأنها تشهد على لحظة استثنائية: ازدحام خانق، طوابير طويلة، وأصوات سيارات تختلط بنداءات الأمهات وصرخات الأطفال. الجميع يسابق الزمن، كأن الوصول بحد ذاته انتصار، حتى لو كان ما ينتظرهم وجعًا كبيرًا.

 

تقول إحدى النازحات من صور لـ”سفير الشمال”: عم نجهّز أغراضنا لنطلع مش قادرين ننطر أكتر. بدنا نشوف بيتنا، حتى لو صار ركام المهم نرجع.

 

شهادات أخرى لا تقلّ وجعًا. أبٌ خمسيني كان يقود سيارته بصمت، قبل أن يقول: يمكن ما نلاقي شي واقف بس الأرض بعدها إلنا ما فينا نبقى بعيد.

 

من الشمال إلى الجنوب، امتدّت حركة العودة. مشهد إنساني كثيف، تختلط فيه الدموع بالابتسامات، والخوف بالإصرار. 

بعض العائلات وصلت إلى قراها لتجد منازلها مدمّرة بالكامل، فاختارت البقاء قرب الركام، وكأنها ترفض النزوح مرةً ثانية.

 

في المقابل، فضّلت عائلات أخرى التوجّه نحو بيروت، بحثًا عن مأوى مؤقت، بانتظار أن تتّضح صورة الأيام المقبلة.

 

اما في في القرى والبلدات الاكثر تضرراً كانت الصدمة حاضرة شوارع تغيّرت، بيوت سقطت، وأحياء فقدت ملامحها. ومع ذلك، لم تغب الحياة. أصوات الناس عادت، خطواتهم ملأت الأزقة، وكأنهم يعلنون بداية مرحلة جديدة، مهما كانت قاسية.

 

هي ليست مجرّد عودة بل فعل صمود، عودة تُشبه أهلها: متعبة، موجوعة لكنها ثابتة، عودة تقول إن الأرض، مهما اشتدّت عليها الحروب، تبقى أقوى من الغياب.

Post Author: SafirAlChamal