هدنة الأيام العشرة: اختبار نوايا أم فخّ جديد؟.. غسان ريفي

دخلت هدنة الأيام العشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي حيز التنفيذ اعتبارًا من منتصف الليل. 

وبدأ النازحون بالعودة السريعة إلى مدنهم وبلداتهم في الجنوب والبقاع في صورة تعكس تمسكهم بأرضهم وترد على كل مشاريع التهجير القسري التي تحدث عنها البعض في بداية العدوان. 

هي هدنة ضرورية لالتقاط الأنفاس في لبنان من أي جهة أتت، لأن العبرة هي في النتيجة التي أفضت إلى وقف إطلاق النار الذي قد يتحول إلى مستدام في حال شهدت الجولة الثانية من مفاوضات باكستان بين أميركا وإيران تطورات إيجابية، خصوصا بعدما لبى الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب القيادة الإيرانية التي ربطت استئناف المفاوضات بالهدنة في لبنان.

وبالرغم من ذلك، فقد حاول ترامب القفز فوق تراجعه أمام إيران، لتكريس فصل المسار اللبناني عن مسار طهران، عبر الاتصال الذي أجراه برئيس الجمهورية العماد جوزيف عون مساء لإبلاغه بقرار وقف إطلاق النار، والإيحاء بأنه جاء نتيجة جهود بذلها بعد “لقاء الصورة” اللبناني الإسرائيلي الذي عقد في واشنطن الثلاثاء الفائت.

علمًا أن السفير الإيراني كان قد سبقه ظهرا وأبلغ قيادة المقاومة أن قرار الهدنة قد اتخذ، وأن القيادتين الإيرانية والباكستانية تؤكدان أن ملف لبنان كان وما يزال على طاولة التفاوض التي قد تعقد خلال الأسبوع المقبل.

اللافت أن رئيس حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو أعلن أمس الأول أن العدوان مستمر على لبنان، وأنه أعطى التعليمات إلى جيشه للاستمرار في القتال وإحتلال مدينة بنت جبيل بهدف رسم صورة انتصار وكسر العقدة التاريخية التي تشكلها مدينة المقاومة منذ الخطاب الشهير للسيد الشهيد حسن نصرالله الذي قال فيه: “إن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”.

وجاء تصويت المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر مطابقا لموقف نتنياهو في رفض وقف إطلاق النار واستمرار القتال، قبل أن يأتي دونالد ترامب أمس ويضرب قرار “الكابينت” بعرض الحائط ويفرض على نتنياهو هدنة من خارج حساباته السياسية والعسكرية والانتخابية.

بدا واضحا أن ترامب حاول ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد:

الأول في تنفيذ رغبة إيران بفرض الهدنة للبدء بمفاوضات يأمل أن تخرجه من مستنقع الشرق الأوسط الذي أسقط نفسه فيه.

والثاني إرضاء المجتمع الأميركي الغاضب عليه، وتذكيره بأنه أوقف تسع حروب وحرب لبنان هي العاشرة.

والثالث، التأكيد للأميركيين أنه هو من يفرض إرادته وقراراته على نتنياهو وليس العكس. 

موقف ترامب تسبب بحالة من الذهول والغضب في إسرائيل التي كانت تنتظر الإعلان عن إحتلال مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، فإذا بها تُصعق بقرار وقف إطلاق النار.

وأدى ذلك إلى هجوم سياسي وإعلامي غير مسبوق على نتنياهو واصفين إياه بالفاشل الذي لم يتمكن من تحقيق أهداف الحروب التي خاضها ولم يستطع القضاء على حزب الله لضمان أمن المستوطنات، وحكومته بأنها لم تتعلم في تجارب السابع من أكتوبر. 

يمكن القول، إن هذه الهدنة تدخل في إطار اختبار النوايا، خصوصا أن حزب الله الذي التزم بها أكد أن لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار، ما يعني أن المقاومة لن تتهاون مع الإسرائيلي في أي خرق قد يقوم به، وبالتالي فإما أن تكون الهدنة شاملة أو لا تكون.

وفي هذا الإطار يتبيّن أن ترامب استثنى من قرار الهدنة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي اللذين كانا طيلة 45 يوما من المعارك بمثابة شاهد زور بفعل تعطيلهما قسرًا، واتخذ قراره منفردا، وضمّنه فخًا أميركيًا جديدا تمثل بالبند الثالث من القرار الذي “يعطي إسرائيل حرية الحركة لممارسة حق الدفاع عن نفسها”.

هذا البند قد يُعرض هذه الهدنة للسقوط بشكل يومي في ظل العدوانية والغدر الإسرائيليين، وغياب أي مراقب دولي أو أممي لهذه الهدنة ومندرجاتها.

بالرغم من كل الجهود التي بُذلت للوصول إلى هذه الهدنة من السلطة اللبنانية إلى إيران وباكستان والسعودية ومصر، إلا أن المحرّك الأساس لكل هذه المساعي كان فشل الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران، وصمود المقاومة الأسطوري الذي منع جيش العدو الإسرائيلي من تحقيق أهداف العدوان التي أعلنها في بداية الحرب، وفي مقدمتها إحتلال مدينتيّ بنت جبيل والخيام اللّتين تقضّان مضاجع نتنياهو وحكومته وجيشه.

وتشير تقارير إلى أن إسرائيل قد تستفيد من هدنة الأيام العشرة لعرض كثير من ضباطها وجنودها على اختصاصيين نفسيين لإخراجهم من حالة القلق والخوف التي تسيطر عليهم، كما يحصل عقب كل عدوان يشنه الكيان الغاصب على لبنان.

Post Author: SafirAlChamal