في الحروب، يُقال إن الجميع يدفع الثمن، لكن الحقيقة هي أن الأطفال هم من يدفعون الأثمان مضاعفة، لا سيما في ظل العدوان الإسرائيلي على لبنان.
في أقل من ستة أسابيع، قُتل وأُصيب نحو 600 طفلا، ونزح أكثر من مليون ومئتي ألف شخص، يشكّل الأطفال نحو 40% منهم.
كما أن أكثر من 150 ألف طالب باتوا خارج المدارس أو يقيمون في مراكز إيواء، ما يعني فقدانهم لحقهم في التعليم والمساحات الآمنة.
لم يعد النزوح مجرد انتقال مؤقت من مكان إلى آخر، بل تحوّل إلى واقع يحرم الأطفال من أبسط حقوقهم. فبمجرد مغادرتهم منازلهم، يفقدون الإحساس بالأمان، وينقطعون عن مدارسهم، ويُحرمون من بيئة مستقرة تضمن نموهم الطبيعي. وما يُفترض أن يكون إجراءً استثنائيًا لحمايتهم، أصبح بحد ذاته أحد أخطر أشكال الانتهاك.
القانون الدولي واضح في هذا الإطار؛ إذ أكدت اتفاقيات جنيف ضرورة حماية المدنيين، ومنع التهجير القسري إلا في أضيق الحدود، مع ضمان الرعاية الكاملة. كما شددت اتفاقية حقوق الطفل على حق الطفل في الحياة والأمان والتعليم، والحماية من جميع أشكال العنف، حتى في أوقات الحرب.
إلا أن ما يحدث على أرض الواقع يكشف غياب تطبيق هذه المواثيق الدولية، حيث تُنتهك بشكل واضح أحكام اتفاقية حقوق الطفل، التي تضمن حقه في الحياة والبقاء والنمو، وحقه في الحماية والرعاية.
كما يتم خرق أحكام اتفاقيات جنيف التي تفرض حماية خاصة للأطفال، وتمنع تعريضهم للخطر أو تهجيرهم قسرًا دون ضمانات إنسانية. فضلًا عن انتهاك مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” الذي أقرّته الأمم المتحدة كقاعدة أساسية في حمايته.
في مراكز الإيواء، تتجسد معاناة الأطفال يوميًا، حيث تُنتهك معظم حقوقهم: من الحق في الحياة والبقاء عبر الحصول على الغذاء الكافي والرعاية الصحية والبيئة الآمنة، إلى الحق في الحماية من العنف والإيذاء والإهمال والتشرد، إضافة إلى الحق في التعليم، واللعب، والترفيه. كما تُنتهك حقوقهم الخاصة في حالات النزاع، حيث يفترض عدم استهدافهم أو تعريضهم للخطر، مع ضرورة توفير الحماية والمأوى والرعاية، خاصة في حالات النزوح واليُتم.
ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا: ما مصير الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم بالكامل؟ هؤلاء لا يواجهون النزوح فقط، بل يواجهون الحياة وحدهم، بلا سند أو حماية طبيعية، وبحاجة ماسة إلى أنظمة رعاية بديلة تحميهم من الضياع، كما تفرضه القواعد الدولية الخاصة بحماية الأطفال.
إن هذا الواقع لا يمكن اعتباره مجرد أثر جانبي للحرب، بل هو انتهاك مركّب يمس جوهر حقوق الطفل، ويتعارض مع مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” الذي كرّسته اتفاقية حقوق الطفل.
ورغم وضوح هذه النصوص، يبقى السؤال الأهم: أين التطبيق؟ وأين دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في وقف هذا النزيف المستمر لحقوق الأطفال؟
وبين نصوص القوانين وصمت الواقع، يبقى الأطفال وحدهم في مواجهة حرب لا تشبههم، ومستقبل لا يضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار.
وفي هذا الإطار، لا بدّ للجهات المعنية والوزارات المختصة أن تتحمّل مسؤولياتها الكاملة تجاه هؤلاء الأطفال، لا سيما في ظل الأزمات والنزاعات، إذ إن إهمالهم لا يهدد مستقبلهم فحسب، بل يضع المجتمع بأكمله أمام مخاطر اجتماعية وأمنية جسيمة.




