بعيداً عن السّجال الداخلي بين أطراف “النصر” الذي تحقق بالتوصّل إلى وقف لإطلاق النّار، الذي يفترض أن يسري عملياً منتصف ليل الخميس ـ الجمعة بين لبنان والكيان الصّهيوني لمدّة 10 أيّام، كما نشرت أكثر من وسيلة إعلام ووكالة أنباء محليّة وعربيّة وعالميّة، فإنّ حسابات أخرى للنصر ستترجم على الأرض إبتداءً من السّاعات الأولى التي سيسري فيها قرار وقف إطلاق النّار، اذا لم يُعرقل ويتأخّر تنفيذه من قبل الإسرائيليين كما جرت العادة، وستحجب هذه الحسابات كلّ ما عداها.
في الدّاخل اللبناني هناك أكثر من طرف سيعتبر نفسه شريكاً في “نصر” التوصّل إلى وقف لإطلاق النّار، من رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إلى حزب الله، وفي الخارج سيتعامل أكثر من طرف إقليمي ودولي مع قرار وقف إطلاق النّار، على جانبي الحدود بين لبنان والكيان الصهيوني، على أنّه “نصر” أسهموا في تحقيقه، من الولايات المتحدة إلى إيران والسّعودية وباكستان وتركيا ومصر بشكل رئيسي.
لكنّ أبرز نصر سيتحقق على الأرض منذ ساعات الصّباح الأولى، هذا اليوم، مع بدء تطبيق قرار وقف إطلاق النّار، طبعاً في حال لم يخرقه الإسرائيليون كالعادة وهم معتادون على ذلك ولهم تاريخ طويل في هذا المجال، سيتمثل في عودة أهالي الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية النّازحين منها قسراً إلى مناطقهم ومدنهم وقراهم وبلداتهم بأيّ وسيلة نقل قد تتاح لهم، والذهاب نحو منازلهم ومحالهم وأراضيهم لتفقدها، والإطمئنان على أقارب لهم ما يزالون يقيمون هناك، ونصبهم خيماً فوق ركام الأبنية التي دمّرها الإسرائيليون عمداً، ليؤكّدوا تمسكهم بأرضهم وإصرارهم على العودة إليها، ورفضهم التخلّي عنها بعدما ارتوت بدماء أجيال وأجيال من الشّهداء الذي سقطوا دفاعاً عنها.
مشهد العودة هذا ليس غريباً ولا طارئاً على النّازحين من هذه المناطق، فقد بدأ بعد تحرير الجنوب في 25 أيّار من العام 2000، وبعد انتهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان في تمّوز من العام 2006، حيث لم ينتظر النّازحون إرشادات الجيش اللبناني وحزب الله قبل تلك العودة من أجل تأمين سلامتهم، وخشية وجود ألغام وضعها الإسرائيليون أمامهم لإعاقة وتأخير عودتهم إلى مناطقهم، في مشهد يُرجّح أن يتكرر مجدّداً اليوم، ويشبه مشهد عودة النّازحين في قطاع غزّة نحو شمال القطاع مشياً على أقدامهم، في مشهد مهيب ما يزال حاضراً في الأذهان، بعد وقف إطلاق النّار نهاية العام 2024 والذي لم يلتزم به الصهاينة وخرقوه مراراً لاحقاً.
وعلى الرّغم من أنّ الإسرائيليين قطعوا أوصال الجنوب وفجّروا وقصفوا الجسور التي تصل بين الجنوب وبقية المناطق اللبنانية، وآخرها جسر القاسمية الذي فجره الإسرائيليون يوم أمس ليقطعوا بذلك آخر جسر يربط بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، فإنّ كلّ ذلك لن يثني أهالي الجنوب النّازحين ويمنعهم من العودة إلى مناطقهم ولو مشياً على أقدامهم.
عودة الجنوبين النّازحين إلى مناطقهم، وهم بدأوا منذ ليل أمس جمع أغراضهم والإستعداد للتوجّه جنوباً منذ ساعات الفجر الأولى، من مختلف المناطق التي نزحوا إليها، شمالاً وبقاعاً وجبلاً ومن العاصمة بيروت، لا يُعدّ أمراً غريباً ولا خارجاً عن المألوف، فهم يعودون إلى أرضهم حيث جذورهم وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، إلى الأرض التي ضحّوا من أجلها بكلّ شيء، وقاوموا فيها أبشع احتلال عرفته البشرية منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم، من أجل أن يبقوا فيها وأن يعودوا إليها إذا أجبرتهم الأيّام على النزوح منها.
لكنّ هذا المشهد لن يكون مماثلاً في شمال فلسطين المحتلة، حيث لن يعود المستوطنون إلى مستوطناتهم هناك، ليس لأنّ الأمن مفقوداً فيها فقط، وبيوتهم مدمّرة، بل لأنّهم غرباء وطارئين على أرض لا تمتّ إليهم بصلة، فهي ليست أرضهم لا ماضياً ولا حاضراً ولا مستقبلاً، ولن تكون.




