نحن في زمن يا سادة، لا نعيش فبه مجرد تطور تكنولوجي جديد،، بل نعيش تحوّلات تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والعلم والعمل والمعرفة بالتحديد،، وبسرعة قد تجعل ما نخطط له اليوم غير صالح، لغد قريب كان أو بعيد،، ومن يتأخر عن فهم المستقبل، قد يجد نفسه خارج حساباته التي هي دائماً في تجديد..
طوال عقود، كنّا نبني خطط حياتنا على معادلة تبدو مستقرة، ندرس لسنوات،، ونحصل على الشهادات،، لنلتحق بوظيفة ونكتسب الخبرات،، ثم نتدرج في السلم المهني حتى التقاعد أو الممات..
فقد كانت الشهادة الجامعية في نظر الكثير منا، جواز عبور إلى الإستقرار، وكانت المهنة التي نختارها في العشرينيات من عمرنا يُفترض أن ترافقنا حتى نهاية حياتنا المهنية بكل وقار.
لكن هذه المعادلة لم تعد مضمونة. لقد دخلنا عصراً تتغير فيه المعرفة بوتيرة متسارعة، وتتطور فيه قدرات الآلات على التحليل والكتابة والبرمجة والتصميم والترجمة والبحث العلمي، حتى باتت بعض المهام التي كانت تحتاج إلى سنوات من التدريب والخبرة تُنجز في دقائق، وأحياناً بمستوى يصعب على غير المتخصص تمييزه عن العمل البشري.
المشكلة يا سادة، ليست أن بعض الوظائف ستختفي فحسب، بل أن المهارات التي تمنح الإنسان قيمته في سوق العمل قد تفقد جزءاً من قيمتها قبل أن ينهي دراسته أو مساره المهني.
والأخطر أن كثيراً من المؤسسات التعليمية والإدارية، في بلادنا، لا تزال تخطط للمستقبل بأدوات الماضي، فتعدّ الاختصاصات وفق إحتياجات تقليدية، وتدرّب الطلاب على وظائف قد تتغير طبيعتها جذرياً قبل تخرجهم، بينما يعيد العالم المتقدم بناء إقتصاده ومؤسساته على أساس الذكاء الاصطناعي والبيانات والمكننة.
إننا لا نواجه فجوة تكنولوجية فحسب، بل فجوة في الوعي والتخطيط والقرار.
وإذا كان قد يصعب على الإنسان إستيعاب حجم التحولات عندما تُعرض عليه بالكلمات، فإن الأرقام تجعل الصورة أكثر وضوحاً.
– هل نعلم، أن بيانات مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن جامعة “ستانفورد” تشير إلى أن القدرة الحوسبية المستخدمة في تدريب أبرز نماذج الذكاء الاصطناعي تتضاعف تقريباً كل خمسة أشهر.
– وهل نعلم، أنه عند مقارنة الحوسبة المستخدمة لتدريب نموذج Gemini 1.0 Ultra في بداية عام ٢٠٢٦ بتلك المستخدمة في نموذج AlexNet عام 2012، تبيّن أن الأولى بلغت ما يزيد عن مئة مليون ضعف الثانية. وهذه مقارنة بين نموذجين محددين، وليست قياساً موحداً لجميع نماذج الذكاء الاصطناعي.
– وان كنا لا نعلم، إعلم أن مؤسسة Epoch AI نشرت دراسة تقدّر فيها أن إستمرار إتجاه التوسع الحالي قد يسمح بتدريب نماذج تستخدم قدرة حوسبية تبلغ نحو 10 آلاف ضعف ما استُخدم لتدريب GPT-4 بحلول عام 2030.
وقد تناول تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه التقديرات أيضاً، مع التنبيه إلى القيود المحتملة المرتبطة بالطاقة والرقائق والبيانات.
إذاً ، حين نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، ينصرف التفكير غالباً إلى سؤال واحد: كم وظيفة ستختفي؟ لكن السؤال الأهم هو: كم مهنة ستتغير من الداخل، وكم مهارة ستفقد قيمتها، وكم إختصاص جديد سيظهر، لم يكن موجوداً أصلاً..
وفق تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع أصحاب العمل أن تتغير 39% من المهارات الأساسية للعاملين بحلول عام 2030. كما يشير التقرير إلى أن 59 شخصاً من كل 100 في القوى العاملة سيحتاجون إلى التدريب أو إعادة التأهيل بحلول ذلك العام.
هذه الأرقام تضعنا أمام حقيقة أساسية: لم يعد التعليم الذي نتلقاه في بداية حياتنا كافياً بالضرورة لمواكبة نهايتها المهنية.
فالمحاسب الذي يعتمد على إدخال البيانات وإعداد التقارير التقليدية قد يجد أن قسماً كبيراً من مهامه أصبح آلياً. والصحافي الذي يكتفي بجمع المعلومات وصياغتها قد ينافسه نظام ينتج نصوصاً في ثوان، والمبرمج الذي لا يطوّر أدواته قد يجد أن بعض المهام التي كان ينجزها يدوياً أصبحت قابلة للمكننة. وحتى في التعليم والقانون والإدارة والطب، لم يعد السؤال محصوراً في امتلاك المعرفة، بل في القدرة على توظيفها والتحقق منها واتخاذ القرار المناسب بشأنها.
وهنا تكمن المفارقة: قد يتخرج الطالب بعد أربع أو خمس سنوات من الدراسة حاملاً شهادة في إختصاص ما، ليكتشف أن السوق الذي أعدّ نفسه له قد تغير، وأن بعض المهارات التي أستثمر سنوات في اكتسابها لم تعد تمنحه الميزة نفسها.
ليس معنى ذلك أن الشهادات فقدت قيمتها، ولا أن المهن ستختفي جميعها، بل إن قيمة الشهادة ستزداد ارتباطاً بقدرة صاحبها على التعلم والتجديد والتطبيق، لا بمجرد إمتلاكها.
المشكلة في مجتمعاتنا، ليست بالضرورة غياب العقول أو الكفاءات، بل غياب منظومة متكاملة تربط التعليم بالاقتصاد، والبحث العلمي بسوق العمل، والتدريب بحاجات المؤسسات الفعلية.
لا يزال كثير من طلابنا يختارون اختصاصاتهم بناءً على سمعة المهنة أو فرصها التقليدية، فيما تتغير تلك الفرص بوتيرة لا تواكبها المناهج الجامعية. ولا تزال مؤسسات عديدة تتعامل مع التحول الرقمي بوصفه شراء أجهزة أو إطلاق منصة إلكترونية، بدلاً من إعتباره إعادة تصميم شاملة لطرق العمل والإنتاج والإدارة.
وفي الوقت الذي تستثمر فيه الدول والشركات الكبرى مليارات الدولارات في الحوسبة والبيانات والذكاء الاصطناعي، قد ينحصر إهتمام بعض مؤسساتنا في تأمين متطلبات التشغيل اليومية، أو المحافظة على برامج دراسية لم تُراجع بما يكفي في ضوء التحولات الجديدة.
والنتيجة المحتملة هي إتساع الفجوة بين من ينتج التكنولوجيا ويطوّرها، ومن يستهلكها، ومن لا يستطيع الوصول إليها أصلاً.
وهذه الفجوة ليست تقنية فحسب، إنها فجوة إقتصادية وتعليمية واجتماعية. فقد تصبح المؤسسة التي توظف الذكاء الاصطناعي أكثر إنتاجية وأقل كلفة، فيما تتراجع قدرة مؤسسة أخرى على المنافسة.
وقد يحصل شاب يمتلك المهارات الرقمية واللغة والقدرة على التعلم على فرص تتجاوز حدود بلده، بينما يبقى آخر أسير إختصاص محدود لا يعرف كيف يطوّره.
وفي بلد مثل لبنان، حيث يعاني الشباب من ضيق الفرص والهجرة وتراجع قدرة المؤسسات على الإستثمار، يمكن للتحول نفسه أن يكون باباً لفرص جديدة، أو عاملاً إضافياً في تعميق التفاوت، بحسب قدرتنا على الاستعداد له. (يتبع….)




