سلاح بلا دولة أم دولة بلا سلاح!! استسلام مؤجل تحت شعار السيادة!.. وسام مصطفى

منذ إعلان الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين عام ١٩٤٨، شكّل لبنان وسوريا الوجهة الرئيسية لأطماع الاحتلال السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، نظراً للارتباط الجغرافي والامتداد الوجودي والمكاني الذي يجمع فلسطين بهذين البلدين. 

وفي حين نجحت “إسرائيل” في تحييد الأردن ومصر سواء بموجب معاهدات أو اتفاقات معلنة وغير معلنة، تركزت المواجهة المباشرة في الجبهة اللبنانية، متخذة أشكالاً متعددة قادت إلى اجتياح عام ١٩٧٨ ثم اجتياح عام ١٩٨٢؛ وعلى مدى ١٨ عاماً، أخذت المقاومة على عاتقها مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، نتيجة لغياب الدولة في لبنان أو تغييبها، ومنعها من امتلاك المقومات القادرة على إحباط الأهداف الإسرائيلية في التوسع وتحقيق أطماعها التاريخية في الثروات اللبنانية.

نجحت المقاومة في هزيمة العدو في محطات كبرى ومتعددة وصولاً إلى التحرير عام ٢٠٠٠ وما بعده، ولا سيما في عدوان تموز ٢٠٠٦، وبقي لبنان بدولته وشعبه ومؤسساته ١٨ عاماً ينعم بالهدوء والأمن والاستقرار، بعدما كرّست المقاومة معادلة توازن ردع حقيقية منعت الاحتلال من مواصلة اعتداءاته السافرة على السيادة اللبنانية. 

في هذا الوقت كانت “إسرائيل” بحكوماتها المتعاقبة تعمل طوال مرحلة وقف الحرب على الاستعداد الأمني والعسكري والسياسي لاستئناف حربها وعدوانها على لبنان، وكذلك فعلت المقاومة بالجهوزية والتطوير السريع، وصولاً إلى العام ٢٠٢٤ وحتى اليوم، وما حصل من تطورات متسارعة أصيبت فيها المقاومة بمقاتل عديدة، بدءاً من استشهاد قياداتها العليا والوسطى، وصولاً إلى تشريد أهل الجنوب الصامدين وتدمير قراهم الحدودية؛ وعلى الرغم من قسوة هذه التضحيات وضخامتها، لم تسقط المقاومة سلاحها ولم ترفع الراية البيضاء، بل ازدادت عزماً وإرادة على مواجهة الاحتلال واستعادة تجربة النصر والتحرير.

إن هذا السرد التاريخي والواقعي يضعنا أمام مقدمة أساسية لطرح الأسئلة الكبرى والجوهرية التي تتطلب تفنيداً عميقاً لمواقف السلطة اللبنانية وذرائعها الراهنة،

ففي وقت تأخذ فيه السلطة اللبنانية اليوم موقفاً معادياً للمقاومة، وتطالب بنزع سلاحها بذريعة أخذ دورها في تطبيق السيادة والسيطرة على القرار، وتذهب إلى مفاوضات مع “إسرائيل” برعاية أمريكية عقيمة – باعتراف المسؤولين الرسميين أنفسهم – يبرز السؤال الأول والملح: ماذا أعدّت هذه السلطة لتكون فعلياً وعملياً جهة قادرة على حماية اللبنانيين والدفاع عن أرضهم وثرواتهم أمام أي عدوان قادم؟

وعند العودة إلى المحطات المفصلية، نجد تناقضاً كبيراً في سلوك هذه السلطة؛ ففي وقت لم تكن فيه قادرة على المواجهة بعد أن سقطت المنطقة بكاملها تحت تداعيات اجتياح العام ١٩٨٢، فلماذا لم تعمد هذه السلطة إلى تأمين مقوّمات القدرة الذاتية على المواجهة خلال مرحلة “توازن الردع” التي أرستها المقاومة على مدى ١٨ عاماً من الأمن والهدوء والاستقرار؟

وطالما أن هذه السلطة تركت المقاومة لوحدها تواجه الاحتلال على مدى ١٨ عاماً وتحقق النصر والسيادة الحقيقية التي عجزت عنها أو تنصّلت منها المؤسسات الرسمية، وطالما أن الذريعة الدائمة المساقة من قِبلها كانت أن الإدارة الأمريكية تمنع قيام دولة مسلحة قادرة على مواجهة “إسرائيل”، فلماذا لم تعمد هذه السلطة طوال هذه الفترة – وهي مدة طويلة – إلى بناء كيان وحدوي جامع يدمج بين مؤسسات الدولة والمقاومة؟ 

إن بناء صيغة وحدوية تكاملية من هذا النوع كان من شأنه أن يجعل من لبنان قوة إقليمية كبرى تترجم معادلة “توازن الردع” بفعالية عالية، وتُحبط في الوقت نفسه الأهداف الإسرائيلية – الأمريكية الرامية إلى ابتلاع لبنان وضمه إلى خارطة “إسرائيل الكبرى”.

إن ذرائع السلطة في المطالبة بنزع سلاح المقاومة في ظل موازين القوى الراهنة لا تنطلق من حرص سيادي أو رغبة في بناء الدولة، بل هي استسلام صريح للإملاءات الأمريكية والغربية، فحين تُحرم الدولة من السلاح الرادع بتوجيه أمريكي، وتُمنع من امتلاك عناصر القوة، ثم يُطلب منها تجريد المقاومة من سلاحها، فإن النتيجة المباشرة هي انكشاف لبنان أمنياً وعسكرياً أمام الأطماع الإسرائيلية.

كما أن الذهاب إلى مفاوضات تحت مظلة واشنطن – الراعية للإرهاب الصهيوني – دون الامتلاك المسبق لأوراق قوة حقيقية على الأرض لا يعني سوى تقديم تنازلات مجانية للعدو، فالسيادة لا تُمنح برعاية الدول المنحازة كلياً للكيان الصهيوني، بل تُفرض بامتلاك الإرادة والقدرة، وهذا ما تجسّده المقاومة وبيئتها وشعبها بالقول والفعل وتقديم التضحيات الكبرى حمايةّ للبنان وحفظاً لسيادته.

Post Author: SafirAlChamal