حملت زيارة الرئيس نجيب ميقاتي الى غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال أمس، مزيدا من الدعم لخطوات مجلس إدارتها برئاسة توفيق دبوسي، وأكدت على علاقة مميزة عنوانها الثقة والتعاون وتلاقي الرؤية حول مستقبل طرابلس ودورها المحوري، حيث أبدى ميقاتي تفاؤله بمستقبل المدينة في ظل السعي الدؤوب لتفعيل مرافقها الإقتصادية، داعيا الجميع الى بذل الجهود من أجل الوصول الى الأهداف المشتركة، لا سيما الهدف الأساسي للغرفة المتعلق بمبادرة “طرابلس عاصمة لبنان الإقتصادية”.
ومنذ أن أطلق الرئيس دبوسي هذه المبادرة كان الرئيس ميقاتي من أبرز الداعمين لها، وهو سبق وأكد من غرفة طرابلس قبل سنوات أن “المطلوب ليس شعاراً، بل خطة قابلة للتنفيذ، وأن تحويل الفكرة إلى واقع يحتاج إلى العمل اليومي التراكمي”.
وخلال لقائه مع دبوسي ومجلس إدارة الغرفة بدا أن ميقاتي يرى أمامه شيئاً مختلفاً عن تلك المرحلة، حيث بدأ المشروع ينتقل من مساحة الطموح إلى مساحة الإنجاز، وأن الغرفة لم تعد تكتفي بطرح الأفكار، بل تعمل على تحويلها إلى مشاريع ومبادرات تطال قطاعات ومرافق متعددة، فضلا عن مساهماتها في تحسين واقع العديد من المرافق.
ولعل أبرز ما ميّز اللقاء هو الصراحة التي طبعت النقاش، بعيداً عن المجاملات، والتوافق على أن تطوير طرابلس لا يمكن أن يتحقق بمشروع واحد أو بمبادرة منفردة، بل يحتاج إلى جمع كل الإمكانات والخبرات ووضعها في خدمة رؤية اقتصادية متكاملة.
وقد أشاد الرئيس ميقاتي بالرئيس دبوسي ومجلس إدارة الغرفة، معتبرا أنهم “يقدمون نموذجاً للتضامن والتعاون في وقت يغلب فيه التباعد والصراع على كثير من القطاعات والمؤسسات اللبنانية”، وفي ذلك إشارة تحمل أكثر من معنى، لأنها تعكس أن ما تحقق في الغرفة لم يكن نتاج قرار فردي، بل نتيجة عمل جماعي وتراكم مؤسساتي.
والأهم أن المشاريع التي أطلع دبوسي الرئيس ميقاتي عليها، لم تبقَ في إطار العناوين، فمن دعم معرض رشيد كرامي الدولي إلى مساعدة المنطقة الاقتصادية الخاصة، إلى مؤازرة عدد من المؤسسات والأجهزة إلى تأهيل مدخل طرابلس الجنوبي، وصولاً إلى العمل على المرافق الاستراتيجية من المرفأ إلى مطار القليعات، تتشكل تدريجياً منظومة متكاملة يمكن أن تجعل من طرابلس منصة اقتصادية تتجاوز حدود المدينة إلى لبنان والمنطقة.
وفي موازاة هذه المشاريع، طرأ تطور لافت، سواء من خلال توسع المساحات التي باتت تمتلكها الغرفة، والتي تتجاوز 78 ألف متر مربع من الأراضي التي سيقام على جزء منها مدينة الذكاء الإصطناعي التي قدم الدكتور عبدالرحمن غالب شرحا وافيا حولها، أو عبر المختبرات ومراكز الجودة والتطوير التي باتت تشكل جزءاً أساسياً من بنيتها الاقتصادية والعلمية.
وقد أشاد الرئيس ميقاتي بهذه الرؤية المتقدمة، مشددا على ضرورة العمل للحصول على إعتمادية الاتحاد الأوروبي للمختبرات لما يمكن أن تشكله هذه الخطوة من قيمة مضافة للمنتجات اللبنانية، ولا سيما الزراعية، وتسهيل دخولها إلى الأسواق الخارجية من خلال مطار القليعات.
يمكن القول إن زيارة الرئيس ميقاتي الى غرفة طرابلس الكبرى هي أقرب إلى مراجعة لمسار بدأ قبل سنوات. فالرئيس الذي دعم فكرة “طرابلس عاصمة لبنان الاقتصادية” في بدايتها، يعود اليوم ليقول إن “الفكرة” التي كان يُنظر إليها آنذاك باعتبارها حلماً، بدأت تسلك طريقها نحو التحقق.
وهو يرى، كما قال، “تقدماً وتطوراً ومشاريع ورؤية استراتيجية كلما زار الغرفة”.
لكن الأهم أن طرابلس، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن تنتظر الدولة كي تتحرك وحدها، ولا أن تتحول مرافقها إلى مجرد ملفات إدارية مؤجلة، بل المطلوب هو شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، وبين الغرفة والدولة والبلديات والمؤسسات، بما يضع كل الإمكانات في خدمة مشروع إقتصادي واحد.
من هنا، فإن أهمية اللقاء بين ميقاتي ودبوسي ومجلس إدارة الغرفة لا تكمن فقط في ما قيل خلاله، بل في ما يعكسه من ثقة متبادلة وجدية في العمل. فميقاتي يرى في الغرفة نموذجاً قادراً على إنتاج الأفكار ومتابعتها بالرغم من كل الظروف الصعبة التي تعصف بلبنان، ودبوسي يرى في ميقاتي مرجعية سياسية وطنية وشريكاً داعماً لهذه الرؤية ومواكباً لمسارها.
وبين الطرفين، تبدو طرابلس هي المستفيد الأول من هذه العلاقة، لأن المطلوب اليوم ليس إعادة تعريف المدينة، بل استكمال ما بدأ، لجهة تحويل مقوماتها من مرافق متفرقة إلى منظومة اقتصادية متكاملة، تجعل من طرابلس الكبرى رافعة للنهوض اللبناني، ومن شعار “العاصمة الاقتصادية” مشروعاً قائماً على الأرض لا مجرد عنوان.




