على توقيت الانشغال الإسرائيلي بجبهات متعددة: إيران، سوريا، ولبنان، أعلنت القاهرة بلسان وزير الدفاع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري-الصيني المشترك «
“نسور الحضارة 2026”. في نسختها الثانية. ما يجعلها مؤشراً متجددآ على اتجاه أكثر منه حدثاً منفرداً. ليكون السؤال: هل تنجح القاهرة في إضافة الصين إلى معادلتها الدفاعية دون أن تضطر للاختيار بين بكين وواشنطن، أو أن تدفع ثمن الابتعاد عن الغرب؟
في دقة المناورات شموليتها على ما أُعلن: التخطيط وإدارة عمليات القتال الجوي، طلعات مشتركة تعزز التفوق الجوي، إضافة إلى البحث والإنقاذ القتالي وتبادل الخبرات والإجراءات. هذا يتجاوز مستوى «
“التشغيل المتوازي” — حيث يعمل كل طرف بمعداته داخل سيناريو واحد من دون تنسيق عميق — إلى مستوى أعلى من التنسيق العملياتي الفعلي.
وفي أهميتها تعتبر الصين ان تحصيل قدرة فعلية لتحريك قوة جوية متكاملة مسافات بعيدة، والعمل من قواعد أجنبية، هدف أساسي وضرورة لاختبار أداء الطائرة J-16 (متعددة المهام) مع الحزمة القتالية المرافقة لها (إنذار مبكر، تزود بالوقود، حرب إلكترونية). وهذه خبرة لا تُكتسب إلا بالتجربة الفعلية.
كما أن فرادة البيئة المصرية التدريبية تكمن في قوة جوية متعددة المصادر (أميركية وفرنسية وروسية)، ما يمنح سلاح الجو الصيني بيئة اختبار مختلفة تماماً عن شركائه التقليديين في آسيا. فالتدرب إلى جانب رافال وMiG-29 يكشف لبكين كيف تتصرف منظوماتها في سياق تشغيلي غريب عنها.
من هذين المنطلقين لا يعود الحافز صفقة سلاح آنية، كما لا يعني أن البعد التسويقي أو الاستراتيجي غائب. بكين تبني علاقة وحضوراً قبل أن تطرح صفقات فعلية، وهذا نمط معروف في سياستها الدفاعية الخارجية: التدريب والتموضع أولاً، والصفقات لاحقاً إن تهيأت الظروف السياسية.
هنا لا يكون الإنفاق مقامرة على صفقة مرتقبة، بل استثمار في خبرة تشغيلية وموطئ قدم استراتيجي، عائده لا يُقاس بعقود شراء، بل بقدرة صينية متراكمة على الانتشار العالمي، وبعلاقة قد تُثمر لاحقاً سياسياً وتسليحياً.
في رؤية أعمق، فإن شراء منظومات صينية رئيسية، أو دمج أنظمة للإنذار المبكر والقيادة والسيطرة في قلب البنية العملياتية المصرية، سيعني أن التعاون تجاوز استراتيجية تنويع مصادر السلاح. أما استمرار النمط الحالي، أي مناورات دورية من دون تغيير جوهري في بنية التسليح والقيادة المصرية، فيبقى من نوع أداة تفاوض وإظهار قوة، لا تحول استراتيجي.
من جهة أخرى، حافظت القاهرة على التعاون التاريخي مع الولايات المتحدة عبر تدريبات “النجم الساطع”، ووسّعت في الوقت نفسه علاقاتها مع فرنسا وألمانيا وروسيا. الجديد إذن دخول الصين بوضوح أكبر إلى معادلة قائمة ومسرح اقليمي مزدحم.
من الزاوية الأميركية، تحصل مصر على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً من برنامج FMF، فضلاً عن عقود التسليح والتدريب والدعم الفني المتراكم عبر عقود. لذا فإن الحديث عن تحول جذري بعيداً عن واشنطن يبقى غير واقعي، والأخيرة لطالما استوعبت استراتيجية التسلح المصرية. إذن القلق الأميركي يرتفع فقط حين يقترب التعاون مع خصوم استراتيجيين من البنية التقنية الحساسة للجيش المصري.
وعليه يمكن استنتاج ما يشبه خطاً أحمر أميركي يفصل بين تنويع مصادر السلاح
وتنويع مصادر التكنولوجيا. بالتالي التدريب مع الصين شيء، وشراء طائرات صينية شيء آخر، أما إدخال منظومات صينية للقيادة والسيطرة أو الاتصالات أو الحرب الإلكترونية في قلب الشبكة العملياتية المصرية، فمسألة مختلفة كلياً.
ماذا عن القلق الإسرائيلي.؟ من الثابت تاريخيآ ان التفوق الجوي أحد أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية. وعليه يمكن تقييم التعاون العسكري المصري-الصيني بإعتباره تحدياً استراتيجياً مباشراً وإخلالآ بتوازن القوى الإقليمي. ليضاف إليه بُعدٌ نفسي بأن نافذة المراقبة والردع الإسرائيلية مشغولة في مكان آخر بينما يتشكل واقع جديد في الجوار المباشر. إذ باتت بكين قادرة على نشر أصول قتالية متطورة ودعمها لوجستياً (تزود بالوقود، إنذار مبكر) عبر آلاف الكيلومترات، ما يساهم في تعميق نفوذها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
في عين المراقب سيكون الرد الإسرائيلي المستقبلي تدريجي غير صاخب. إذ ستثابر المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية على نهجها في جمع المعلومات عن التدريب نفسه على سبيل المثال لا الحصر:
كيف تعاملت J-16 مع Rafale المصرية؟ وما طبيعة التكتيكات الصينية المستخدمة؟ مدى نجاح عملية الدمج بين تقنيات الإنذار المبكر والتحكم مع المقاتلات الغربية؟ وكيف أدارت الصين عملية الانتشار لمسافة تقارب 6000 كلم؟ إلخ… وعلى هذه النتائج يبنى الكثير في اقله تعديل وتطوير سيناريوهات القتال الجوي الخاصة بها.
في الخلاصة، تمثل «نسور الحضارة 2026» حلقة في سياسة مصرية أوسع تعتمد على تعدد الشركاء، تنويع مصادر القوة، وتوسيع هامش القرار، مع تفادي إعادة تعريف الانتماء الاستراتيجي.
الكاتب العميد منذر الأيوبي
عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب..





