تقف السلطة اللبنانية عاجزة أمام الغطرسة الإسرائيلية التي تُترجم يوميًا بالاعتداءات والتفجيرات وتوسيع الاحتلال وفرض وقائع جديدة على الأرض، فيما لم تُثمر التنازلات عن أي إيجابيات، ولم تتمكن المفاوضات من تحقيق أي انسحاب إسرائيلي، بينما تبدو المناطق التجريبية اختراعًا إسرائيليًا ـ أميركيًا لإهدار الوقت وتثبيت وقائع ميدانية جديدة.
لأول مرة في تاريخ المفاوضات، يُقدم طرف على الاعتداء على الطرف الآخر قبل جلسات التفاوض وخلالها وبعدها، وبين جلسة وأخرى، فيما تستمر الدولة المعتدى عليها في التفاوض من دون اتخاذ موقف حاسم يحفظ هيبتها وسيادتها. فكيف يمكن التفاوض بجدية فيما النار الإسرائيلية مستمرة، والاحتلال يتوسع، والتهديدات تتصاعد؟
والأخطر أن المفاوضات، التي عقدت سبع جلسات بين واشنطن وروما، شهدت تطورًا بالغ الخطورة تمثل في نشر وزارة خارجية العدو خريطة أظهرت أجزاء من جنوب لبنان ضمن حدود الكيان الإسرائيلي.
وإذا كان تحرك السلطة اللبنانية لدى واشنطن أدى إلى إزالة الخريطة عن منصة “إكس”، فإن إزالة المنشور لا تعني تراجع إسرائيل عن أطماعها أو وقف محاولاتها لتكريس احتلالها.
فالخريطة، بصرف النظر عن مبررات نشرها، جاءت في توقيت سياسي حساس، وتزامنت مع استمرار الاحتلال والتدمير، بما يجعلها مؤشرًا إضافيًا على نيات إسرائيلية تتجاوز البقاء المؤقت إلى محاولة فرض أمر واقع طويل الأمد.
ومع ذلك، لم يصدر موقفًا لبنانيًا يرتقي إلى خطورة هذا التطور، خصوصًا من القوى التي ترفع شعار “السيادة”.
واللافت أن السلطة اللبنانية لم تبادر إلى التهديد بتعليق المفاوضات أو وقفها إلى حين تحقيق الأولويات اللبنانية: وقف إطلاق النار، الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، وقف التفجير والتدمير، وفتح الطريق أمام الأهالي للعودة إلى قراهم التي دُمّر نحو 25 منها بشكل كامل.
وما لم تفعله السلطة، فعله العدو الذي تحدث عن احتمال تأجيل الجلسة الثامنة في روما بسبب التوتر بين الطرفين. وهذه بحد ذاتها مفارقة تكشف اختلال ميزان التفاوض، إذ باتت إسرائيل تملك هامش تحديد تفاصيل المفاوضات، من جدول الأعمال إلى مكان الانعقاد وحتى احتمال التأجيل، فيما يقتصر الدور اللبناني على انتظار ما سيُطرح عليه.
ويزداد المشهد خطورة مع الحديث عن استعداد إسرائيلي لشن عمل عسكري في مرتفعات علي الطاهر، الأمر الذي قد ينسف المفاوضات ويعيد المواجهة إلى الواجهة، خصوصًا في ظل الإشارات التي أطلقتها المقاومة بأن أي توسع إسرائيلي جديد لن يمر مرور الكرام.
أمام هذا الواقع، تبدو السلطة اللبنانية وقد فقدت جزءًا كبيرًا من هامش المناورة بعدما حصرت نفسها في مفاوضات روما والإملاءات الإسرائيلية المترافقة مع استمرار الاعتداءات. والأخطر أنها ابتعدت، عن سابق تصور وتصميم، عن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية التي كان يمكن أن تشكل عنصر قوة في التفاوض، واستمعت إلى الجناح الأميركي المؤيد لخطوات بنيامين نتنياهو، بما يرتب عليها مسؤولية وطنية وسياسية.
وإذا كانت السلطة تدافع عن نفسها بالقول إنه لا بديل أمامها، وتطالب معارضيها بتقديم البدائل، فإن ذلك لا يعفيها من مسؤولية حماية موقع الدولة وحقوق لبنان. فالتفاوض ليس هدفًا بحد ذاته، ولا يمكن أن يتحول إلى غطاء لاستمرار العدوان والاحتلال.
بعد سبع جلسات تفاوض بين واشنطن وروما، تبدو المفاوضات أقرب إلى مسار تفرض إسرائيل إيقاعه وشروطه، وتحدد جدول أعماله وأماكنه، بل وتقرر متى تنعقد جلساته ومتى يمكن تأجيلها.
أما لبنان، فيبدو وكأنه يفاوض من موقع رد الفعل، فيما تتولى إسرائيل فرض الوقائع بالنار على الأرض.
ويبقى الرهان على ضمانة الرئيس دونالد ترامب رهانًا هشًا، خصوصًا أن المعطيات السياسية لا تشير إلى استعداد واشنطن لممارسة ضغط حقيقي على بنيامين نتنياهو، ولا سيما في ظل استعداد الأخير لمعركة انتخابية يريد خوضها على وقع الحروب والدماء في لبنان وفلسطين وسوريا.
يمكن القول إن المشكلة الأساسية ليست في أن لبنان يفاوض، بل في الطريقة التي يفاوض بها، وما يملكه على الطاولة، وماذا يفعل عندما يواصل الطرف الآخر إطلاق النار أثناء التفاوض.
وهنا تكمن مسؤولية السلطة اللبنانية، التي لم يعد يكفيها القول إنها لا تملك بديلًا، لأن استمرار التفاوض تحت النار، من دون شروط أو أوراق ضغط، قد يحول المفاوضات من وسيلة لاستعادة الحقوق إلى غطاء سياسي لوقائع يفرضها الاحتلال على الأرض.





