عن العلاقة بين حزب الله والقيادة السورية الجديدة.. من القتال الى التلاقي!.. مريم نسر

“لا يوجد أي مانع من اللقاء بين حزب الله والقيادة السورية في الوقت المناسب بتقدير الطرفين”.. عبارة قالها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير.. لا بدّ من التوقف عندها والعودة إليها للحديث عن هذا التطور والمسار الذي لا يمكن فصله عن تحولات المنطقة ومشهدها الذي يرتسم حالياً بين مشروعين بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية: 

١- أميركا بمن تُمثِّل وبما تمثل من مشروع إستعماري في المنطقة.

٢- إيران بمن تُمثِّل وبما تمثل من مشروع تحرري في منطقتها.

 

فبين ضجيج الصواريخ والمفاوضات في المنطقة، وبين العدوان الإسرائيلي ومشروعه التوسعي الذي يشمل لبنان، وبين التهديد الأميركي بدخول السوري الى لبنان، كان لا بدّ من التطرق لطبيعة العلاقة بين حزب الله والقيادة السورية الجديدة نظراً لأهميتها بمسار المعركة الحالية، ومن هذا المنطلق تحدث الشيخ نعيم قاسم عن “علاقة بين دولتين” وهو يشجع على هذه العلاقة بإطارها الطبيعي والمصلحي لهما خاصة بعد أن أتت المبادرة من قِبل السوري، فعدم الممانعة من قبل الحزب قطع الطريق على من يريد استغلال سوريا لتنفيذ مشروعه، عدا عن أن تركيا تَعتبر أن أي ضعف يُصيب الحزب هو مكسب لإسرائيل، وهنا يكمن تقاطع المصالح بين الطرفين.

 

اللافت أن كلام الأمين العام لحزب الله جاء بعد تصريحين علنيين لـ أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني عندما زار بيروت، الأول قال إن “صفحة الماضي طويَت مع حزب الله” والثاني تحدّث عن استعداد “القيادة السورية الحالية للقاء حزب الله”، وهنا يمكن القول إن كلام الشيخ قاسم جاء في إطار رد التحية بالتحية، فالحديث العلني من قبل سوريا قابله موقف علني من قبل حزب الله، كإعلان حُسن نوايا من قبل الطرفين واستعداد لترتيب العلاقة من جديد بما يتناسب مع مصلحتهما في هذه المرحلة والتي بدأت بتنسيق إيراني- تركي وبتواصل تركي مع الحزب مضمونه طلب تطمينات متبادلة سبقها مبادرة من الجماعة الإسلامية.

 

عملت الجماعة الإسلامية على تقريب وجهات النظر وإزالة الهواجس والمخاوف التي رافقت التحوّل في النظام السوري، وقدّمت شرحاً لقناعات وعقائد وأولويات القيادة الجديدة في سوريا ومحاولة تقديم تطمينات من الجماعة للحزب بعدم إعتبار هذا النظام معادٍ له، هذه المساعي كانت قبل العدوان الأميركي الإسرائيلي الأخير على إيران والعدوان الصهيوني على لبنان، وما سرّع بهذه الخطوات إدخال الرئيس الأميركي دونالد ترامب “السوري” على خط المواجهة وتهديد المقاومة به بدخوله الى لبنان.

 

التحرك التركي والسوري تجاه إيران وحزب الله، قابله ضغوط أميركية إسرائيلية لاستخدام النظام السوري الجديد كجزء من خطة الحرب على محور المقاومة، وهذه الضغوط ازدادت بعد فشل أميركا وإسرائيل بتحقيق أهدافهما من الحرب على إيران والمقاومة في لبنان.. وهذا ما جعل النظام السوري الجديد في حالة حرجة، بحيث تقول المصادر أن “أحمد الشرع أرسل رسالة الى رئاسة المخابرات التركية يشكو فيها من حجم الضغوط الأميركية عليه لفتح جبهة مع لبنان وإرسال مقاتلين الى الكويت والبحرين والإمارات”، وبناءً عليه طلب من تركيا العمل على تخفيف هذه الضغوط، لأن القدرات اللوجستية والتسليح والوضع الأمني داخل سوريا لا يسمح بذلك، إضافة الى التهديد العراقي بفتح جبهة عراقية لإسناد لبنان والتحذير الإيراني من هذه الخطوة وهذا ما يُهدِّد ثبات النظام السوري…

 

أمام هذه المعطيات ولأن السياسة لا تعرف العداوات المؤبدة إلا مع رؤوس المشروع الصهيوني الذي يشمل سوريا ويهدد مصر وتركيا، تفاعل حزب الله إيجاباً مع المبادرة السورية وصرّح علناً بالكلام الإيجابي حول العلاقة بين لبنان وسوريا بما يخدم سلب الذرائع لأي اشتباك تسعى أميركا وإسرائيل لافتعاله.. إضافة الى المصلحة الإستراتيجية بتخفيف حدة الإحتقان المذهبي وامتصاص غلواء الإتهامات للحزب بقتل الشعب السوري وتخفيف حدة التحريض الذي يسعى إليه الإعلام المموّل من الغرف الصهيونية.

 

هذا الموقف لا يتعارض مع مبادىء الحزب العقائدية والسياسية ولا يُعتبر تراجعاً عن صوابية قراره في مواجهة الجماعات التكفيرية التي أعلنت استهدافها للحزب في بداية حراكها في سوريا.. وبالتالي فإن حزب الله لم يكن مبادراً في العداء، ومن الطبيعي عند تغيّر الشعارات وسلوك الطرف المقابل وتغيّر الواقع السياسي داخل سوريا أن لا يبقى حزب الله في موقف العداء ما دام الشعب السوري بنفسه لم يقم بذلك.. فحزب الله نفسه الذي تعامل مع عملاء الصهاينة بعد التحرير بما يحفظ النسيج الإجتماعي اللبناني، يملك من العقلانية ما يحفظ بها مصالح الشعبين اللبناني والسوري المتجاوريْن في الجغرافيا والمندمجين في الثقافة والإقتصاد والعلاقات الإجتماعية ويملك ما يكفي من حس الوفاء لتضحيات أهله ومجاهديه..

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal