لماذا فشلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل؟.. غسان ريفي

بعد سبع جولات من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يبدو المشهد أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لا نتائج إيجابية ملموسة، ولا تقدم في الملفات الأساسية، ولا مؤشرات إلى إمكانية تحقيق أي اختراق سياسي يمكن البناء عليه. 

بل على العكس، تتسع الفجوة بين ما يطالب به لبنان وما تسعى إليه إسرائيل، فيما تستمر الأخيرة في فرض وقائع ميدانية جديدة تجعل أي عملية تفاوضية فاقدة للحد الأدنى من التوازن المطلوب.

 

أولى أسباب الفشل تكمن في طبيعة هذه المفاوضات نفسها، فمن غير المألوف أن تجري مفاوضات فيما تستمر العمليات العسكرية والاغتيالات والتدمير والتوسع في الاحتلال. 

المبدأ البديهي في أي عملية تفاوضية هو وقف إطلاق النار أو إرساء هدنة تتيح للطرفين الانتقال من الميدان إلى السياسة. 

أما في الحالة اللبنانية، فقد أصرت إسرائيل على الجمع بين الحرب والتفاوض في وقت واحد، مستخدمة القوة العسكرية كوسيلة ضغط دائمة لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية من الجانب اللبناني.

 

أما السبب الثاني، فيتعلق بعدم وجود أرضية مشتركة بين الطرفين. 

لبنان دخل المفاوضات وهو يطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة وتطبيق الاتفاقات القائمة، فيما دخلت إسرائيل وهي تسعى إلى تثبيت وقائع جديدة في الجنوب، وربط أي انسحاب بشروط أمنية وسياسية تتجاوز جوهر المفاوضات. 

وعندما تكون أهداف الطرفين متناقضة إلى هذا الحد، يصبح الفشل النتيجة الطبيعية لأي جولة تفاوضية.

 

السبب الثالث يتمثل في اختلال موازين القوة على طاولة التفاوض. 

فإسرائيل تفاوض من موقع المتفوق عسكرياً والمدعوم أميركياً ودولياً، بينما تذهب الدولة اللبنانية إلى المفاوضات من دون أوراق ضغط حقيقية تمكنها من تحسين شروطها أو فرض مطالبها. 

وفي السياسة، كما في الحروب، لا تكفي عدالة القضية لتحقيق النتائج الإيجابية إذا لم تقترن بعناصر قوة قادرة على حماية الموقف التفاوضي.

 

ولا يمكن تجاهل الدور الأميركي في هذا السياق، فالولايات المتحدة تقدم نفسها كضامن للمفاوضات، لكنها في الوقت نفسه تمارس ضغوطاً على لبنان وتتعاطى مع الملف من زاوية المصالح الإسرائيلية أولاً. 

وهذا الواقع جعل الوساطة الأميركية أقرب إلى إدارة للمفاوضات وفق السقف الإسرائيلي، بدلاً من لعب دور الضامن القادر على إلزام الطرفين بتنفيذ الالتزامات المطلوبة.

 

ومن أسباب الفشل أيضاً توسعة جدول الأعمال التفاوضي ليشمل ملفات لا تشكل أولوية في المرحلة الحالية. فقبل الحديث عن ترسيم الحدود أو أي ملفات أخرى، يفترض أن يكون التركيز منصباً على وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة. 

أما الانتقال إلى ملفات إضافية فيما لا يزال الاحتلال قائماً، فإنه يشتت الأولويات ويمنح إسرائيل فرصة للهروب من الاستحقاقات الأساسية.

 

كذلك، فإن الأداء السيء والضعيف للوفد اللبناني المفاوض لم يكن مستغربا، وقد ترجم خلال الجلسات، في حين أخفقت اتلسلطة السياسية في تسمية شخصيات قادرة على إدارة مواجهة سياسية معقدة بهذا الحجم.

فالمفاوضات مع إسرائيل ليست مجرد نقاشات تقنية أو إدارية، بل هي معركة سياسية بامتياز تتطلب خبرات عالية وقدرة على قراءة التوازنات الإقليمية والدولية واستثمارها في خدمة المصلحة اللبنانية.

 

إلى جانب كل ذلك، يبقى العامل الإقليمي حاضراً بقوة، فالملف اللبناني لم يكن يوماً معزولاً عن التطورات الإقليمية، ولا سيما مسار العلاقات الأميركية ـ الإيرانية. 

لذلك فإن أي تقدم أو تراجع في هذا المسار ينعكس مباشرة على الوضع اللبناني، وعلى فرص التوصل إلى تفاهمات تحد من الاعتداءات الإسرائيلية أو تفتح الباب أمام انسحاب من الأراضي المحتلة.

 

من هنا، يمكن القول إن فشل المفاوضات لم يكن نتيجة تفصيل تقني أو خطأ إجرائي، بل نتيجة خلل بنيوي في العملية التفاوضية برمتها. 

فإسرائيل لا تزال تتصرف على قاعدة فرض الشروط بالقوة، والولايات المتحدة لا تمارس دور الضامن المحايد، والسلطة اللبنانية تدخل المفاوضات من دون امتلاك عناصر القوة الكافية، فيما تتداخل الحسابات الإقليمية مع كل تفصيل من تفاصيل هذا الملف.

 

لذلك، فإن السؤال الذي بات يفرض نفسه اليوم ليس متى تنجح المفاوضات، بل ما الذي بقي للدولة اللبنانية كي تفاوض عليه في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات ورفض إسرائيل تنفيذ أبسط الالتزامات المطلوبة منها. 

ومن دون معالجة هذه الاختلالات الجوهرية، ستبقى الجولات التفاوضية تدور في حلقة مفرغة، فيما تستمر إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض، ويجد لبنان نفسه أمام مفاوضات لا تنتج سوى المزيد من الوقت الضائع.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal