للمواطن ضرائب… ولأهل السلطة رواتب: من يدفع فاتورة الدولة؟.. بقلم: ميشال دمعة

في لبنان، يبدو أن المعادلة أصبحت واضحة إلى حدّ الوقاحة: كلما احتاجت الدولة إلى المال مدت يدها إلى جيب المواطن، وكلما احتاج أهل السلطة إلى تحسين أوضاعهم فتحت أبواب المخصصات والرواتب والتعويضات.

المواطن يدفع والسلطة تقرر.

ضرائب جديدة، رسوم جديدة ارتفاع في أسعار المحروقات وزيادات تطال كلفة الحياة اليومية. 

وفي المقابل، يبقى المواطن العادي يركض خلف راتب بالكاد يكفيه حتى منتصف الشهر فيما تتحدث الدولة عن الحد الأدنى للأجور وكأنه إنجاز، بينما الأسعار تجاوزت كل الحدود.

السؤال هنا ليس: من أين ستأتي الدولة بالمال؟ بل السؤال الحقيقي هو: لماذا يبدأ البحث عن المال دائماً من جيب المواطن.

في موازنة 2026، تشكل الإيرادات الضريبية نحو 82% من إجمالي الإيرادات، بحسب وزارة المالية.  

وهذا يعني أن المواطن هو أحد أهم مصادر تمويل الدولة من ضريبة القيمة المضافة إلى الرسوم المختلفة، مروراً بالمحروقات وكل فاتورة يدفعها اللبناني.

لكن أين العدالة؟

كيف يُطلب من موظف أو عامل أن يتحمل المزيد من الضرائب والرسوم، فيما راتبه لا يواكب الغلاء؟

كيف يمكن لعائلة أن تعيش بكرامة إذا كان الحد الأدنى للأجور نفسه يحتاج إلى حد أدنى جديد كي يصبح قابلاً للحياة؟

والأكثر استفزازاً أن المواطن يسمع عن زيادات ومخصصات ورواتب وتعويضات داخل مؤسسات الدولة، بينما هو مطالب كل يوم بأن يتحمل الأزمة، وأن يدفع ثمن الانهيار، وأن يتكيف مع ارتفاع الأسعار وكأن الفقر أصبح سياسة اقتصادية رسمية.

نحن لا نعترض على تحسين رواتب الموظفين الذين خسروا قدرتهم الشرائية، ولا على إعطاء العسكريين حقوقهم، بل على منطق العدالة الانتقائية.

فإذا كانت الدولة قادرة على إيجاد الأموال لزيادة الرواتب والمخصصات، فلماذا لا تكون قادرة على تأمين راتب عادل للعامل؟ ولماذا لا تبدأ بإصلاح الهدر والإنفاق غير المنتج والامتيازات قبل أن ترفع الضرائب على الناس؟

وفي تموز 2026، أقر مجلس النواب فتح اعتماد إضافي بقيمة 56,500 مليار ليرة لمنح العسكريين وموظفي القطاع العام ستة رواتب إضافية بمفعول رجعي.

مرة أخرى، ليست المشكلة في إعطاء الموظف حقه، بل في السؤال الذي يجب ألا يهرب منه أحد: من سيدفع؟

إذا كان الجواب هو المواطن، فليكن واضحاً أن المواطن لم يعد يحتمل.

أما الحديث عن رواتب النواب ومخصصاتهم، وعن أرقام تتداولها وسائل الإعلام ومواقع التواصل، فيحتاج إلى كشف رسمي وشفاف حتى يعرف اللبناني تماماً: كم يتقاضى النائب فعلياً؟ وما هي المخصصات والتعويضات والامتيازات التي يحصل عليها؟ وهل تتناسب مع واقع بلد يُفرض على شعبه في كل يوم المزيد من الضرائب؟

نريد الأرقام على الطاولة.

نريد أن نعرف كم تكلف الدولة مجالسها ومؤسساتها، وكم تكلف الامتيازات، وكم يكلف الهدر، وكم تذهب أموال الناس إلى الإنفاق الذي لا يعود عليهم بخدمة حقيقية.

فالمواطن ليس صندوقاً مفتوحاً.

وليس منطقياً أن تطلب الدولة من الناس المزيد من التضحية، فيما لا يشعر المواطن أن الطبقة السياسية تشاركه هذه التضحية بالقدر نفسه.

المواطن اللبناني لا يريد صدقة، بل يريد دولة عادلة.

يريد أن يعرف لماذا ترتفع الضريبة قبل أن ترتفع قدرته على الدفع.

يريد راتباً يحفظ كرامته، لا رقماً يُقال له إنه «حد أدنى» بينما الأسعار تتعامل معه كأنه لا يساوي شيئاً.

ويريد أن يرى المسؤول يدفع ثمن الأزمة معه، لا أن يبقى المواطن وحده في مقدمة طابور الضرائب.

فإذا كانت الدولة عاجزة عن تمويل نفسها إلا من جيوب الفقراء والطبقة الوسطى، فالمشكلة ليست في المواطن.

المشكلة في دولة لا تعرف من أين تبدأ الإصلاح… فتبدأ دائماً من جيب الناس.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ:

أين النواب عندما يُطلب من المواطن أن يدفع؟ وأين التقشف عندما يتعلق الأمر بالسلطة؟

لأن الوطن لا يُبنى بضرائب على الفقراء ورواتب مريحة لأهل القرار.

إما أن تكون التضحية على الجميع… وإما أن تصبح الضرائب عقوبة على من لا يملك إلا راتبه.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal