منذ وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في يناير 2017، انقسم المحللون حول “ظاهرة ترامب” إلى تيارين: تيار يراها شذوذاً مؤقتاً في التاريخ الأمريكي، وآخر يعتبرها انعطافة بنيوية وانعكاساً لأزمة داخلية سبقت وصوله.
وبين عفوية التغريدات ومنطق الصفقات، يثور سؤال مركزي: هل مثّل أداؤه في ولايته الأولى 2017-2021 فوضى شخصية معزولة، أم تجلٍ موضوعي لأزمة البنية الأمريكية نفسها؟
يحاول هذا التحليل تشريح الأداء السياسي والاقتصادي لتلك المرحلة وفق خمسة محاور، ويربطها بالتعاطي المستجد في ولايته الثانية 2025-2026، للوقوف على ما إذا كنا أمام “تخبط سيكولوجي” أم “عقلية برغماتية” تلبي متطلبات رأس المال في مرحلة ما بعد “نهاية التاريخ”.
تشخيص الأداء – من الشعبوية الاستعراضية إلى التثبيت المؤسسي
اتسمت إدارة 2017-2021 بقيادة غير مسبوقة طغت عليها الصبغة الاستعراضية والشعبوية الحادة، عبر تصريحات وتغريدات فورية تجاوزت القنوات الدبلوماسية، وتجلى الإرباك المؤسسي في معدل دوران وظيفي قياسي وثقه «معهد بروكينغز»: أربعة رؤساء أركان، وأربعة وزراء دفاع، وأربعة مستشارين للأمن القومي في أربع سنوات، وشمل ذلك إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون بتغريدة في مارس 2018، فضلاً عن التناقض السريع في المواقف، كالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران في مايو 2018 ثم الدعوة لاحقاً لـ “اتفاق جديد وشامل”.
وثقت شهادات مقربين، ككتاب “النار والغضب” لمايكل وولف ومذكرات جون بولتون، هذا النمط بوصفه آلية قرار “لحظية” تلتف على بيروقراطية «الدولة العميقة»، لكن السلوك الاستعراضي لم يكن عشوائياً بالكامل؛ فقد استثمر بذكاء في أزمة الشرعية داخل المجتمع الأمريكي، وربطها بالتراجع الصناعي في “حزام الصدأ” وعجز تجاري بلغ 891 مليار دولار عام 2018، وعليه، بدا “التخبط” الظاهري أداة وظيفية لخلخلة الثوابت: فانسحب من الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهدد في قمتي الناتو بربط الالتزام الأمني بنسبة إنفاق 2%، وفاوض طالبان مباشرة دون الحكومة الأفغانية. لم يكن الأداء مرضاً سيكولوجياً محضاً، بل استراتيجية “هدم مقصود” للثوابت القديمة، تمهيداً لقواعد لعبة جديدة.
أما في ولايته الثانية 2025-2026، فقد تغيّر الشكل لكن الجوهر رسخ؛ تراجعت الفوضى الشكلية وحلّ محلها تثبيت مؤسسي واضح، انخفض الدوران الوظيفي، واستُبدل شعار “تفكيك الدولة الإدارية” بإعادة تشكيلها من الداخل، وعادت الإدارة لاستكمال الانسحابات وفرض شروط جديدة على الحلفاء، لكن من موقع “رئيس عائد” يملك خبرة الولاية الأولى، هكذا صارت الشعبوية أقل ضجيجاً في الإعلام، وأكثر رسوخاً في القرار؛ فلم تعد الفوضى غاية، بل وسيلة لفرض أمر واقع ثم تثبيته.
عقلية “الصفقة” – من تسليع العلاقات إلى عقيدة مؤسسية
اختُصر منهج الإدارة في مفهوم “صانع الصفقات”، فتحولت التحالفات الاستراتيجية إلى عقود تخضع لمنطق الربح والخسارة؛ فالحليف يدفع ثمن الحماية، والخصم يُدار بالمساومة، وترجم ذلك عبر ثلاثة مسارات: الضغط على حلفاء الناتو لرفع الإنفاق، وتحويل مقاربات الشرق الأوسط إلى “صفقة عقارية كبرى” عبر “اتفاقيات أبراهام”، وإعادة صياغة الصراع مع الصين كمنافس تجاري بفرض رسوم على بضائع بقيمة 370 مليار دولار.
هنا تكشف النواة الصلبة لشعار “أمريكا أولاً” عن جوهرها؛ لم يعد يعبر عن دولة تقود النظام بقيم معيارية، بل عن “شركة كبرى” تبحث عن تعظيم المكاسب الفورية، وتراجعت أولوية نشر القيم الليبرالية لصالح معالجة اختلالات الميزان التجاري.
ومع ولاية 2025-2026، انتقلت “عقلية الصفقة” من التجريب إلى عقيدة مؤسسية ثابتة، فلم تعد المطالبة برفع إنفاق الناتو إلى 2% تهديداً تفاوضياً، بل شرطاً مسبقاً لأي نقاش أمني. وتوسعت “الصفقات” لتشمل الطاقة والتكنولوجيا وأشباه الموصلات وسلاسل الإمداد، وتراجع البعد القيمي في الخطاب الخارجي، ورسخ منطق “المكسب المباشر” كتعريف وحيد للمصلحة الأمريكية؛ فصارت واشنطن تحرس الميزان التجاري لا القيادة القيمية، وتحولت المساومة من تكتيك مؤقت إلى استراتيجية دائمة.
التموضع الطبقي والمؤسسي – خدمة رأس المال وحصاد الأحكام
رغم الخطاب الحمائي الشعبوي، صبت السياسات الاقتصادية والتشريعية في مصلحة رأس المال المالي والمضاربي، وشكّل قانون التخفيضات الضريبية في ديسمبر 2017 ذروة الهدايا لـ «وول ستريت»، بخفض ضريبة الشركات من 35% إلى 21%. وكانت النتيجة قفزة 67% لمؤشر S&P 500 حتى فبراير 2020، وإعادة شراء الشركات لأسهمها بقيمة 1.2 تريليون دولار عام 2018، بالتوازي مع تفكيك القيود البيئية والمالية والضغط على الاحتياطي الفيدرالي.
لكن التحول البنيوي الأهم كان إعادة صياغة الهيكل القضائي عبر تعيين ثلاثة قضاة محافظين في المحكمة العليا ومئات القضاة الفيدراليين، وهكذا زرعت “الترامبية” قواعد محافظة ستتحكم بالقوانين لجيل كامل، مما ينفي عنها صفة “العشوائية”، وعلى الرغم من شعار “الحمائية الجمركية” لإحياء التصنيع، ظلت وعود “حزام الصدأ” شعارات لم تغير الواقع قبل كورونا.
وفي 2025-2026، دخلت “الترامبية” مرحلة الحصاد المؤسسي؛ أصدرت المحكمة العليا بتشكيلتها المحافظة أحكاماً تاريخية غيّرت قوانين جوهرية في الحقوق والتنظيم والبيئة، مما أثبت أن تعيينات الولاية الأولى كانت ضمانة بعيدة المدى، واستمر الخطاب الشعبوي في مخاطبة الطبقة العاملة، بينما بقيت السياسات تخدم رأس المال المضاربي وتفكيك القيود، مؤكدة أن البعد الطبقي للظاهرة ازداد رسوخاً.
تفكيك الأطر المعرفية – من صعود القومية إلى إحلالها مكان الليبرالية
لم يقدم ترامب أطروحة فكرية أكاديمية، لكن “الترامبية” لم تكن فراغاً معرفياً؛ بل ارتكزت على تفكيك النظريتين اللتين وجهتا السياسة الخارجية بعد الحرب الباردة، واستدعاء إرث «الشعبوية الجاكسونية» القائم على الانعزالية والتشكيك بالنخب.
ففي مواجهة “نهاية التاريخ” لفوكوياما، أُعلن إفلاس مشروع تصدير الديمقراطية، واستُبدل بالانسحاب من اتفاق باريس والشراكة عبر المحيط الهادئ واليونسكو، وفي مواجهة “صراع الحضارات” لهنتغتون، نُزع البعد الثقافي عن الصراع وحُوّل إلى صراع “جيواقتصادي وتجاري” بحت؛ فلم تعد الصين خطراً بمنظومتها، بل بتفوقها التجاري، وتولى تأطير هذا التحول منظرون مثل ستيف بانون وبيتر نافارو ومايكل أنتون، فكانت النتيجة إحلال “قومية اقتصادية حمائية” مكان الإجماع الليبرالي.
وفي 2025-2026، اكتملت عملية الإحلال المعرفي؛ لم تعد “القومية الاقتصادية الحمائية” شعاراً انتخابياً، بل الإطار العملي الحاكم لكل الملفات: من أوكرانيا إلى تايوان وصولاً لتغير المناخ، وصار الصراع الدولي يُعرّف كصراع موارد وأسواق ونفوذ، لا قيم وأيديولوجيا، وحتى الحلفاء الغربيون جرى تصنيفهم كشركاء تجاريين يدفعون مقابل الحماية، لا شركاء في مشروع قيمي مشترك.
تقييم الأداء – من مكاسب الأسواق إلى اختبار الإدارة
داخلياً، سجل الاقتصاد قبل كورونا بطالة 3.5% وصعوداً قياسياً للبورصة، لكن النمو كان هشاً وممولاً بالاستدانة؛ فتفاقم عجز الموازنة إلى 3.1 تريليون دولار عام 2020، وتجاوزت المديونية 27.7 تريليون دولار في يناير 2021 بفعل كورونا وحزم “CARES”.
خارجياً، نجحت الإدارة في فرض معادلات جديدة في الشرق الأوسط والضغط على الصين، لكن الثمن كان تآكل ثقة الحلفاء بالناتو، والانسحاب الفوضوي من شمال سوريا، والتمهيد لانسحاب أفغانستان، مما سمح لبكين بالتموضع كمدافع عن العولمة. وداخلياً، انتهى النهج باقتحام الكابيتول في 6 يناير 2021، مخلفاً استقطاباً حاداً وندوباً عميقة.
وفي 2025-2026، تواجه “الترامبية” اختبار القدرة على الإدارة لا الهدم فقط، فالبيئة الدولية أكثر تشظياً: حرب إيران، حرب أوكرانيا، توتر تايوان، تضخم الديون، واضطراب سلاسل الإمداد. وتظهر المؤشرات استمرار تفضيل الحلول الثنائية والضغط المباشر على الحلفاء والخصوم، ولكن في عالم أقل استعداداً للقبول بالشروط الأمريكية دون مقابل. ويبقى الاستقطاب الداخلي العميق هو التحدي الأكبر، إذ لم تلتئم جراح 6 يناير، وصار الانقسام الأفقي سمة بنيوية ثابتة.
من معول الهدم إلى مدرسة حكم
تأسست “الترامبية” في ولايتها الأولى على جمع “المزاجية الشعبوية في الأسلوب” و”البرغماتية الرأسمالية في المنهج”؛ فخدمت الفوضى مصالح رأس المال المالي وتثبيت المحافظين على حساب استقرار المؤسسات، لم يقدم ترامب “بديلاً نسقياً” متكاملاً، بل كان معول هدم ترك الساحة في سيولة شديدة، مما جعله عارضاً لأزمة النموذج الليبرالي وليس حلاً جذرياً.
وفي ولاية 2025-2026، تختبر “الترامبية” جدارتها في التحول من معول هدم إلى مدرسة حكم قائمة بذاتها، لها قواعدها ومؤسساتها ونتاجاتها، لم يعد السؤال: هل ترامب استثناء أم انعكاس للأزمة؟ بل السؤال الحقيقي في 2026 هو: هل رسخت “الترامبية” قاعدة جديدة ثابتة للحكم الأمريكي في زمن تراجع الإجماع الليبرالي؟
إن الخطر لم يعد في شخص ترامب الفرد، بل في انتقال أسلوبه ومنهجه من طور التجربة المؤقتة إلى طور القاعدة الراسخة، ومن الفرد إلى المؤسسة، والإجابة النهائية عن طبيعة هذا التحول ومصيره ستكتبها السنوات القادمة، لا التغريدات.




