تصعيد لا يلغي التفاوض.. المنطقة بين التهدئة والانفجار.. غسان ريفي

أعطى التصعيد العسكري الإيراني – الأميركي أمس، مؤشرات على أن قواعد الاشتباك التقليدية لم تعد قادرة وحدها على احتواء التوتر المتنامي، ما يضع الأطراف المعنية أمام مفترق طرق قد يحدد شكل المرحلة المقبلة سواء باتجاه تسوية شاملة في الشرق الأوسط، أو نحو تجدد الحرب في جولة جديدة لا أحد قادر على استشراف تداعياتها الكارثية على دول المنطقة. 

بالأمس، انفرجت أسارير رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بعد إسقاط مروحية أميركية من نوع أباتشي فوق مضيق هرمز بمسيّرة إيرانية، وما تلاها من رد عسكري أميركي طال مناطق بندر عباس وقشم وسيريك وجاسك في الجمهورية الإسلامية. سارع نتنياهو إلى صب الزيت على النار عبر وكلائه في الإدارة الأميركية لإعادة إشعال الحرب التي يسعى اليها بشتى الطرق.

لكن إعلان القيادة الأميركية أن الرد على إيران هو دفاعي وليس هجوميًا، وأن ذلك لن يؤثر على مسار المفاوضات، وتأكيد المصادر الإيرانية أن الهجمات الأميركية لم تتعرض لأي من الموانئ التجارية، أعطى انطباعًا أن أميركا سعت إلى حفظ ماء وجهها أمام مجتمعها، وأصاب ذلك نتنياهو بخيبة أمل جديدة، خصوصا أن المعادلات الأخيرة التي رسمتها ايران ساهمت في تكبيل حركته، وجددت التأكيد على أن نجاح المفاوضات يعني إنهاء الحرب على لبنان. 

كل ذلك لا يمنع أن إيران حرصت أمس على إيصال رسالة واضحة مفادها أنها لن تقبل باستمرار المراوحة، وبمواصلة الضغوط الأميركية عليها دون رد، وأنها لن تسكت على أي محاولة لفرض وقائع جديدة في المنطقة سواء عبر الحصار القائم في مضيق هرمز والتهديدات الأميركية اليومية، أو من خلال منح إسرائيل مجددا حرية الحركة في لبنان.

وتعتبر إيران في هذا السياق أن الخيارات باتت محصورة بين مفاوضات جدية منتجة أو مواجهة واسعة، وتؤكد عبر تصريحات مسؤوليها أنها “مستعدة لكل الاحتمالات، ولن توافق بأي شكل من الأشكال على إدارة الصراع وفق القواعد السابقة”.

في المقابل، تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب معادلة معقدة تجمع بين الرغبة في تجنب تجدد الحرب وبين السعي إلى تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية في مواجهة إيران. 

إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هامش المناورة الأميركي يضيق تدريجياً مع تزايد الضغوط على ترامب من الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ ومن المجتمع الأميركي الذي يواجه أزمة اقتصادية وعدم استقرار عشية انطلاق “مونديال 2026”.

ورغم تنفيذ الرد الأميركي على إيران، فإن طبيعة العملية وحجمها عكسا حرص واشنطن على إبقاء التصعيد ضمن حدود مدروسة وعدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فالرسالة الأميركية بدت مزدوجة: تأكيد القدرة على الرد وحماية القوات الأميركية من جهة، والحفاظ على قنوات التفاوض ومنع توسع النزاع من جهة أخرى.

في موازاة ذلك، تتعمق التباينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فبينما يركز البيت الأبيض على احتواء التوتر وتهيئة الظروف أمام تفاهم محتمل مع إيران، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سياسة الضغط العسكري، انطلاقاً من قناعته بأن أي تخفيف للضغوط يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز نفوذها الإقليمي.

كما تظهر داخل الإدارة الأميركية نفسها قراءتان مختلفتان للمشهد. فهناك تيار يدعو إلى استثمار التطورات الأخيرة للوصول إلى اتفاق يضع حداً للتوتر المزمن مع إيران، وهو ما عبر عنه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بإعلانه “التفاؤل بإمكانية تحقيق تقدم في الملف النووي”. 

في المقابل، يدفع الجناح المتشدد في الادارة الأميركية نحو اعتماد سياسة ردع أشد صرامة، معتبراً أن “أي تساهل قد يفسر في طهران على أنه تراجع أميركي”.

ويبدو أن هذا التيار نجح في الضغط على الرئيس ترامب لتنفيذ ضربات على إيران، بعد أن أوحت تصريحاته حول أن “الحادث ليس جللًا وأن الطيارين بخير وأن أمورًا من هذا النوع قد تحصل في ظل التوترات” أنه يتجه نحو إحتواء الموقف وعدم الرد قبل أن يبدل موقفه كما هي العادة تحت وطأة الضغوط. 

 

أمام هذا الواقع تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة اختبار حقيقية، حيث تختلط مؤشرات التهدئة مع عوامل الانفجار، فيما يبقى مستقبل المفاوضات رهناً بقدرة الأطراف والوسطاء على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة التسويات.

وبالتالي فإن المشهد لا يزال مفتوحا على احتمالين متوازيين: إما نجاح الجهود السياسية في تحويل التصعيد الأخير إلى فرصة لإعادة رسم التوازنات ووقف الحرب على مختلف الجبهات، وإما أن تتحول الحوادث العسكرية المتفرقة إلى شرارة تعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة الواسعة، في لحظة تبدو فيها كلفة الحرب أعلى من أن يستطيع أي طرف تحمل تبعاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

 

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal