كان لافتاً للغاية التصريح الذي أدلى به السّفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى، أول من أمس، بعد لقائه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، عندما ردّ على أسئلة الصحافيين بالقول: “إذا كان التقاطع مع مسار التفاوض بين أميركا وإيران يصبّ لمصلحة لبنان، ما المانع؟ أليس ذلك جيداً إذا كان سيؤدي إلى وقف لإطلاق النّار؟”، بعدما سئل حول مصير مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل وهل أنّه مفصولاً أم متقاطعاً مع مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، ومضيفاً: “ماذا يهمّ إذا كان المساران مفصولين أم لا. الأصل ما هي النتيجة في نهاية المطاف”.
هذا التصريح أصاب حلفاء الولايات المتحدة في لبنان بالصّدمة، ذلك أنّهم دأبوا في الآونة الأخيرة على ترداد مقولة أنّ المسار اللبناني في التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية مستقل ومنفصل ولا علاقة له بمسار التفاوض الإيراني ـ الأميركي، إنطلاقاً من شعارهم في الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله ـ حسب رأيّهم ـ ورفضهم أن تعمل إيران بأن يكون الملف اللبناني موجودٌ على طاولة المفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة، وأن يكون لها أيّ تدخّل أو تأثير في الشّأن المحلّي.
لكنّ صدمة حلفاء واشنطن في لبنان لم تقف عند هذا الحدّ، فقد تحدّث السّفير الأميركي في تصريحه عن أربعة بنود لم ترد في البيان الختامي الذي صدر الأسبوع الماضي بعد انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن، وهي: إنسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين الموجودين لديها، عودة النّازحين إلى المناطق “التجريبية” والحديث عن قرب التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النّار على جميع الجبهات، ومن بينها جبهة لبنان.
وما زاد من وقع الصّدمة على حلفاء أميركا في لبنان هو إزدواجية المعايير التي تتبعها في مقاربتها أغلب الملفات التي تعنيها، إذ كشف تصريح السّفير الأميركي في لبنان وجود تباين واضح بين ما قاله في بيروت وما يحصل على صعيد المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن، وأظهر فارقاً كبيراً وجوهرياً بين الأمرين، ما أثار قلقاً واسعاً بصفوف من يعتبرون أنفسهم أصدقاء وحلفاء أميركا في لبنان الذين يظنّون أنّها لا تقطع خيط قطن من دون التشاور معهم، ومن دون أن تأخذ مصالحهم في عين الإعتبار، فإذا بالعكس هو الذي يحصل.
تصريح السّفير الأميركي في بيروت جاء بعد تطوّرين لافتين لسياسة بلاده حيال الملف اللبناني أثارا قلق حلفائها على نطاق واسع. الأوّل ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأول من شهر حزيران الجاري بأنه أجرى “إتصالاً جيداً للغاية مع حزب الله، عبر ممثلين رفيعي المستوى”، وهو الإتصال الأول من نوعه بين الإدارة الأميركية وحزب الله، وترك إنطباعاً أنّ تطوّراً ما طرأ على العلاقة بين الطرفين، مرتبط حكماً بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ما جعل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع يخشى من “حصول إتفاق خارجي على حساب لبنان”.
أمّا التطوّر الثاني فمتعلق بما كان السّفير الأميركي ذاته قد أدلى به مؤخّراً عن مسار تفاوض غير مباشر قائم بين لبنان وإسرائيل، منفصل عن مسار مفاوضات واشنطن، وهذا المسار تجريه الولايات المتحدة مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وضمناً مع حزب الله، ما جعل البعض يعتبر أن المفاوضات الجدّيّة والفعلية تجري في هذا المسار، عكس مسار مفاوضات واشنطن التي يبدو أنّها شكليّة فقط، وأثبت أنّ الولايات المتحدة تقدّم في سبيل مصالحها أيّ اعتبار آخر، ولو كان على حساب من يعتبرون أنفسهم حلفاءها.




