وضع الرد الإيراني على إسرائيل بعد استهدافها الضاحية الجنوبية لبيروت حدا للمراوحة المستمرة منذ أكثر من شهر على صعيد المفاوضات سواء الإقليمية بين أميركا وإيران بوساطة باكستانية أو الثنائية بين لبنان والكيان الصهيوني برعاية أميركية، والتي يستغلها العدو في تصعيد عملياته العسكرية والتدميرية وارتكاب المجازر، مقابل ردود ميدانية للمقاومة على مدار الساعة شكلت استنزافا كبيرا للجيش الصهيوني، خصوصا على صعيد المسيّرات التي أعيت الخبراء العسكريين.
التطورات السريعة دفعت أميركا إلى التحرك بشكل جدي لاحتواء الموقف بهدف عدم تجدد الحرب في المنطقة، والتفتيش عن صياغة جديدة لاتفاق واشنطن من بوابة “عين التينة” والاستفادة من الملاحظات التي وضعها الرئيس نبيه بري عليه.
وقد تُرجم ذلك في جولة السفير الأميركي ميشال عيسى أمس على الرؤساء الثلاثة، وتصريحه بعد لقائه الرئيس بري وتأكيده بأن “الاتفاق يتضمن عودة النازحين، وأن المناطق التجريبية ليس لها معنى إذا لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي وإذا لم يعُد إليها الأهالي تحت إشراف الجيش اللبناني”، وذلك خلافا لما روّجه المسؤولون الإسرائيليون عن عدم الانسحاب ومنع السكان من العودة.
وبدا واضحا أن ثمة تبدّل في الموقف الأميركي حيال فصل المسارات التي لطالما شدد عليها الرئيس ترامب ورئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، حيث أكد السفير عيسى من عين التينة أن “لا مانع من أن تشمل المفاوضات الأميركية – الإيرانية ملف وقف إطلاق النار في لبنان طالما أن ذلك سيعود عليه بالفائدة”.
أعاد كلام السفير عيسى الاعتبار إلى الصيغة الإيرانية التي تُدرج وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من لبنان كبند أول في أي مفاوضات بين أميركا وإيران، وقلّل في الوقت نفسه من شأن “اتفاق واشنطن” الذي أسقطته إسرائيل عمليًا، وجاء الرد الإيراني عليها بعد استهدافها الضاحية الجنوبية ليكتب شهادة وفاة هذا الاتفاق.
وهذا يؤكد أن الجلسات التفاوضية المباشرة الأربع بين لبنان وإسرائيل والجلسة العسكرية التي عُقدت في البنتاغون لم تفض مجتمعة إلى أي نتيجة إيجابية، رغم كل البروباغاندا التي روّج لها الوفد المفاوض ومن ورائه السلطة اللبنانية، نتيجة عدم التزام إسرائيل بالاتفاق، بل على العكس، فقد ازدادت توحشا بعد صدوره، إضافة إلى رفض المقاومة له واعتبارها أنه غير موجود أساسًا.
واللافت أن التصعيد الإسرائيلي تجاه بيروت جاء في ظل رهانات أميركية وإسرائيلية على أن زيادة الضغوط العسكرية ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات إضافية على طاولة المفاوضات.
إلا أن الرد الإيراني أظهر استعداداً واضحاً لتحمل تبعات المواجهة، ما أدى إلى إعادة تقييم العديد من الحسابات السياسية والأمنية لدى واشنطن وتل أبيب، وأبرزَ تباينات في مقاربة الطرفين لهذا التصعيد.
وأكدت طهران من خلال ردها أن سياسة الضغط والتهديد لم تعد قادرة على انتزاع مكاسب تفاوضية إضافية، وأنها لا تزال متمسكة بدعم حلفائها والعمل على تثبيت معادلات ردع جديدة.
كما طرح ذلك في الداخل اللبناني مسألة العلاقة بين عناصر القوة الميدانية والقدرة التفاوضية.
وبالنسبة إلى القوى الداعمة للمقاومة، شكل ما جرى دليلاً على إمكانية توظيف عناصر القوة، سواء بموقف إيران أو بنتائج الميدان لتحسين شروط التفاوض وحماية المصالح اللبنانية، خصوصا في ظل الرسالة الإيرانية الواضحة بأن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لم يعد ممكناً من دون كلفة مباشرة على إسرائيل، في محاولة لتثبيت معادلة ردع جديدة تمتد أيضاً إلى الاعتداءات المستمرة على جنوب لبنان.
وقد تزامن ذلك مع عودة تداعيات التصعيد إلى الداخل الإسرائيلي، سواء على مستوى الطوارئ أو حركة النزوح وتعطيل الحياة المدنية في المناطق الشمالية، أو الانتقادات المتنامية الموجهة إلى نتنياهو الذي بات محاصرًا داخليا بين فكيّ المعارضة من جهة، والجيش والمجتمع الإسرائيليين من جهة ثانية.
وفي هذا الإطار برزت على الساحة اللبنانية نقاشات متجددة حول آليات التنسيق المرتبطة بالقرار 1701 ولجنة الميكانيزم، وسط اعتراضات لا سيما من المؤسسة العسكرية على أي صيغ يمكن أن تُفسَّر كتطبيع أو تنسيق مباشر مع إسرائيل.
كما ظهرت تسريبات تتحدث عن اهتمام لبناني بتطوير قنوات تواصل مباشرة مع إيران عبر مؤسسات الدولة، بما يعكس قراءة جديدة لموقع طهران وتأثيرها في المعادلات الإقليمية.
يمكن القول إن الرد الإيراني لم يكن مجرد عملية عسكرية محدودة الأهداف، بل حدثاً سياسياً ترك آثاراً مباشرة على موازين القوى ومسارات التفاوض في لبنان والمنطقة.
وهو ما يفرض على المسؤولين اللبنانيين قراءة دقيقة للتحولات الجارية، وفهم انعكاساتها المحتملة على مستقبل الاستقرار والتسوية المقبلة.






