في وقت تنشغل فيه البلاد بتداعيات الحرب والتطورات الإقليمية والمفاوضات الجارية، وفي ظل عجز السلطة عن تقديم حلول جدية للأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تثقل كاهل اللبنانيين، يبرز مطار رينيه معوض ـ القليعات كإنجاز تسعى القوى السياسية إلى استثماره إعلامياً وسياسياً. وينتقل غدا رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من الوزراء إلى الشمال للمشاركة في احتفال الإعلان عن تلزيم وتشغيل مطار القليعات، في مشهد يوحي وكأن البلاد بألف خير.
تحول مشروع تلزيم المطار في الأسابيع الأخيرة إلى مادة للتنافس بين أركان الحكم، من رئيس الحكومة إلى الوزراء والنواب، حيث سارع الجميع إلى تبنيه وتقديمه بوصفه إنجازاً تاريخياً للشمال ولبنان. إلا أن النقاش اليوم لا يقتصر على تشغيل المطار بحد ذاته، بل يتجاوز ذلك إلى التساؤل عما إذا كانت الدولة قد قررت فعلاً وضع الشمال على خريطة الإنماء الوطني، أم أن المنطقة تُستخدم مرة جديدة منصة لإطلاق الوعود وتسجيل النقاط السياسية في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان.
فبين الإعلان عن تشغيل مطار رنيه معوض ـ القليعات وإحياء مشروع سكة الحديد بين طرابلس والعبودية، تحاول الحكومة تقديم صورة عن انطلاقة إنمائية للشمال. غير أن الأسئلة تبقى قائمة حول ما إذا كانت هذه المشاريع تشكل بداية مسار تنموي حقيقي، أم مجرد عناوين جديدة في سجل الوعود القديمة والمحاصصات القائمة.
فقد فاز تحالف يضم شركة “سكاي لاونج” برئاسة زياد المنلا، بالشراكة مع شركة “ميز” (MEAS) التي يرأسها محمد الحوت، بمناقصة تأهيل وتشغيل مطار القليعات، بعد منافسة انتهت عمليًا إلى ثلاث شركات فقط من أصل 18 شركة سحبت دفاتر الشروط. وجاء ذلك بعد تراجع الطرح السابق الذي كان يقوم على التعاقد بالتراضي مع شركة “ميز”، ليفضي مسار المزايدة إلى فوز التحالف نفسه ولكن عبر آلية مختلفة.
ويعيد هذا التطور إلى الواجهة اسم محمد الحوت، المرتبط منذ سنوات بإدارة وتشغيل مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، ما يطرح تساؤلات حول توسّع حضوره في قطاع المطارات اللبناني، مع انتقاله اليوم إلى مشروع المطار المدني الثاني في البلاد. كما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مدى تنوع الجهات المشغلة للمرافق الحيوية في لبنان، وما إذا كانت المنافسة الفعلية كانت متاحة أمام عدد أكبر من المستثمرين والشركات، أم أن الشروط الموضوعة أدت عمليًا إلى تضييق هامش المنافسة وحصرها ضمن دائرة محدودة من اللاعبين المعروفين والممسكين بمفاصل القطاع.
وفي المقابل، تؤكد وزارة الأشغال العامة والنقل أن المشروع يمثل محطة مفصلية على طريق إعادة تشغيل ثاني مطار مدني في لبنان، وأنه يهدف إلى تخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي، وخلق فرص اقتصادية واستثمارية جديدة في الشمال، فضلاً عن توفير خيارات أوسع للمسافرين وخفض كلفة السفر.
وفي موازاة الحماسة الرسمية للمشروع، يرفع رئيس “لجنة الأشغال العامة والنقل” النيابية النائب سجيع عطية سقف التوقعات، مؤكداً أن مطار القليعات لن يقتصر على وجهات محدودة، بل سيشمل دول الخليج والدول العربية وصولاً إلى عدد من الوجهات الأوروبية، معتبراً أن المطار سيكون أقل كلفة من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. ويشير عطية إلى أن الدراسات الأولية تقدر حجم الاستثمار بنحو 40 مليون دولار، متحدثاً عن ورشة اقتصادية كبيرة يفترض أن يشهدها الشمال مع انطلاق المشروع.
إلا أن هذه الوعود تفتح بدورها باب التساؤلات. فإذا كانت إحدى أبرز الحجج لتشغيل المطار تتمثل في خفض أسعار السفر، فكيف ستنعكس هذه المعادلة عملياً على أسعار التذاكر؟ وكيف يمكن ضمان منافسة حقيقية في الكلفة التشغيلية، خصوصاً أن شركة “ميز” التابعة لمحمد الحوت، ستكون شريكاً أساسياً أيضاً في مشروع القليعات؟ وهل سيتمكن المطار الجديد فعلاً من تقديم نموذج مختلف وأكثر تنافسية، أم أن البنية التشغيلية نفسها ستعيد إنتاج المعادلات القائمة في مطار رفيق الحريري الدولي؟
ولا يقتصر القلق في عكار على أسعار التذاكر أو الوجهات المتوقعة، بل يمتد إلى ملف التوظيف الذي يشكل الهاجس الأكبر لدى أبناء المنطقة. فالمطار يسوق له منذ سنوات بوصفه مشروعاً قادراً على خلق مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، في منطقة تعاني من نسب بطالة مرتفعة وهجرة متزايدة للشباب. ولذلك يترقب العكاريون كيفية إدارة ملف التوظيف، وما إذا كانت الأولوية ستعطى لأبناء المنطقة أم أن الوظائف ستذهب إلى أصحاب الخبرات الموجودة أصلاً في القطاع، كما حصل في مشاريع ومؤسسات أخرى. وهو ما أوضحه عطية أيضا عندما أعلن أن هناك شركة متخصصة تهتم بالتوظيف وأن أحدا لا يمكنه أن يطلب منا كنواب أي وظائف. فضلا عن التحديات الأخرى، لجهة الطرقات المؤدية إلى عكار، وماذا عن شبكات النقل العام والكهرباء والاتصالات والخدمات اللوجستية التي تشكل أساس أي مشروع تنموي؟ وهل توجد خطة حكومية متكاملة تربط بين المطار والمرفأ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية، أم أن كل مشروع يسير بشكل منفصل عن الآخر؟ فبين الإعلان عن تشغيل مطار القليعات وإحياء مشروع سكة الحديد بين طرابلس والعبودية، تسوّق الحكومة لمشهد إنمائي جديد في الشمال. إلا أن النقاش يتجاوز حدود المشروعين، ليطرح سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام بداية تنمية فعلية طال انتظارها، أم أمام مشاريع متفرقة تفتقر إلى رؤية اقتصادية متكاملة؟








