منذ تأسيسه، وُضع لبنان على سكة نظام سياسي فريد من نوعه: جمهورية بقلب طائفي، فالميثاق الوطني عام 1943 لم يكن دستوراً مكتوباً، بل تفاهماً شفهياً قام على معادلة “لا غالب ولا مغلوب”، وُزّعت بموجبه المناصب العليا بين الطوائف الكبرى كضمانة للتوازن ومنع الاحتراب.
غير أن ما بدأ كصيغة تعايش، تحوّل تدريجياً إلى آلية تعطل دائمة، فالطائفية في لبنان لم تعد انتماءً اجتماعياً أو ثقافياً فحسب، بل غدت أداة لإدارة السلطة وتقاسم النفوذ، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل الطائفية السياسية في لبنان عقدة تاريخية مستعصية على الحل، أم أنها تحولت إلى “نهج مداورة” تتقاسمه النخب، بحيث تُسلَّم “المسبحة” من طائفة إلى أخرى كلما اقتضت موازين القوى الداخلية والخارجية؟
1. من مارونية الحكم إلى سُنّية الطائف: المسبحة تدور
لأكثر من ثلاثة عقود بعد الاستقلال، أمسك الموارنة بالمسبحة السياسية، فرئاسة الجمهورية كانت تتمتع بصلاحيات شبه مطلقة، والجيش والإدارة والمصرف المركزي في قبضة النخبة المارونية، كان هذا الواقع انعكاساً لديموغرافيا الأربعينيات وموازين القوى الإقليمية التي كانت ترى في المسيحيين جسراً للغرب.
لكن الحرب الأهلية 1975-1990 كسرت تلك المسبحة، فالتوازنات تغيرت، والديموغرافيا تبدلت، والرعاية الإقليمية انتقلت من الغرب إلى عواصم عربية صاعدة، وجاء اتفاق الطائف عام 1989 ليعلن نهاية “مارونية الحكم” وبداية “سُنّية الطائف”.
نُقل مركز الثقل الدستوري إلى رئاسة مجلس الوزراء، وأُعيد توزيع مقاعد البرلمان مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وانتقلت صلاحيات تنفيذية واسعة من القصر الجمهوري إلى السراي الحكومي، وكان رفيق الحريري هو التجسيد الأوضح لهذا التحول: رجل أعمال سني يحظى بدعم سعودي- أمريكي- فرنسي، أعاد إعمار بيروت وأدار الدولة بمنطق “الشركة القابضة”.
إلا أن جوهر النظام لم يتغير، فالخيط الذي تنتظم فيه حبات المسبحة بقي هو نفسه: المحاصصة، الزبائنية، وتقاسم الدولة كغنيمة، كل ما حدث هو أن اليد التي تُمسك بالمسبحة تغيرت.
2. التحول الشيعي: من التهميش إلى مركز القرار
إذا كان الطائف قد نقل المسبحة من اليد المارونية إلى اليد السنية، فإن اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وانسحاب الجيش السوري من لبنان كانا بمثابة الزلزال الذي أعاد خلط الحبات من جديد، حيث دخلنا مرحلة “شيعية القرار”، وإن بقيت الواجهة الدستورية سُنية.
لقرون، كان الشيعة في لبنان هم “مُهمّشي المتن”، مجتمع ريفي فقير، موزع بين جبل عامل والبقاع، بلا تمثيل سياسي يوازي حجمه الديموغرافي، لكن ثلاثة عوامل قلبت المعادلة:
أولاً: صعود حركة أمل ثم حزب الله، المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي منحت الشيعة سردية بطولة وشرعية سلاح، فبعد تحرير عام 2000، لم يعد السلاح ورقة مقاومة فقط، بل تحوّل إلى رصيد سياسي داخلي.
ثانياً: الفراغ السني، بعد 2005، دخل الشارع السني في مرحلة تيه، غاب الزعيم الجامع، وتفتت الخطاب بين 14 آذار والتيارات الإسلامية، ثم جاءت الأزمة السورية لتشتته أكثر، هذا الفراغ ملأته قوى أخرى.
ثالثاً: الرافعة الإقليمية، مع صعود إيران كلاعب إقليمي بعد 2003، وجد الشيعة اللبنانيون حليفاً عقائدياً ومادياً قوياً، فصار حزب الله هو الحزب الوحيد الذي يملك ثلاثية: سلاح نوعي، تمويل خارجي، وبنية اجتماعية متماسكة.
3. حزب الله: من المقاومة إلى الفيتو الشامل
هنا تبرز المفارقة الكبرى في الطائفية اللبنانية المعاصرة، حزب الله دخل المعادلة من باب “المقاومة”، أي خطاب عابر للطوائف، لكنه انتهى إلى أن يصبح الحارس الأقوى للمنظومة الطائفية.
كيف؟ عبر “نهج المداورة” نفسه، لكن بأدوات جديدة:
1. فيتو السلاح: منذ 2006، بات واضحاً أن لا رئيس جمهورية ولا حكومة ولا قرارات كبرى تمر دون رضا الحزب، تعطيل انتخابات الرئاسة لسنتين ونصف بعد 2014، وتعطيلها مجدداً بعد 2022، خير دليل.
2. الشراكة بالمحاصصة: رغم خطاب محاربة الفساد، دخل حزب الله اللعبة كاملة. له وزراء، نواب، مدراء عامون، وحصة في التعيينات والصفقات، صار شريكاً في “شركة الدولة” التي كان ينتقدها.
3. المساومات الكبرى: الحزب يبرع في إدارة الوقت، يصعّد حين يكون الإقليم معه، ويساوم حين تتغير الموازين، اتفاق الدوحة 2008 منحه “الثلث المعطل”، ترسيم الحدود البحرية 2022 مرّ عبره، واليوم ملف الحرب مع إسرائيل والهدنة يدار من ضاحية بيروت الجنوبية قبل السراي.
النتيجة: انتقلت المسبحة إلى اليد الشيعية، لكن الخيط بقي طائفياً، فبدل أن يُلغي حزب الله النظام الطائفي، أعاد إنتاجه بشروط جديدة، صار هو من يحدد متى تُفرط المسبحة ومتى تُجمع.
4. المساومات الداخلية والخارجية: لبنان ساحة لا دولة
وهنا بيت القصيد، الطائفية في لبنان لم تكن يوماً شأناً محلياً خالصاً، هي دائماً انعكاس لتفاهمات الخارج.
– مرحلة المارونية: رعاية فرنسية – أمريكية.
– مرحلة السنية: وصاية سورية بغطاء سعودي – أمريكي.
– المرحلة الشيعية: محور إيراني في مواجهة محور أمريكي- خليجي.
في كل مرة، تُعقد “مساومة كبرى” في الخارج، ويُطلب من اللبنانيين تطبيقها في الداخل عبر تقاسم الحصص، من مؤتمر لوزان إلى الطائف إلى الدوحة، لذلك تبدو الطائفية “عقدة مستعصية” للمواطن، لكنها “نهج مداورة” للنخب: الكل يعرف قواعد اللعبة، والكل ينتظر دوره في الإمساك بالمسبحة.
5. نهج المداورة أم إعادة إنتاج الأزمة؟
عند تتبع مسار المسبحة السياسية في لبنان، نكتشف نمطاً يتكرر كل 15 إلى 20 عاماً: تنتقل “الكرة” من طائفة إلى أخرى، لكن الملعب والقوانين والحَكَم يبقون أنفسهم.
دورة حياة المسبحة:
1. 1943 – 1975: هيمنة مارونية، تنتهي بحرب أهلية.
2. 1990 – 2005: صعود سني برعاية سورية – سعودية، ينتهي باغتيال وانسحاب.
3. 2008 – اليوم: صعود شيعي بقيادة حزب الله، ندخل اليوم مرحلة التصدع تحت ضغط الانهيار المالي والحرب.
في كل دورة، تأتي النخبة الجديدة بخطاب “الإنقاذ” و”كسر الاحتكار”، ثم ما تلبث أن تندمج في المنظومة نفسها، تستبدل الوجوه، لكن الآليات باقية: محاصصة في الوظائف، زبائنية في الخدمات، فيتو متبادل في القرارات الكبرى، وتعطيل ممنهج عند كل استحقاق.
لذلك لم تعد الطائفية “عقدة” بالمعنى النفسي أو التاريخي فقط، بل صارت “نهج مداورة” لإدارة الفراغ، فالنظام اللبناني اكتشف أن أفضل طريقة لمنع انفجاره هي تدوير العجز، عندما تُستنزف طائفة، تُسلَّم الراية لأخرى لتمتص النقمة، ريثما تُعاد هيكلة التحالفات، هو نظام لا يحل الأزمات، بل يديرها ويقوم بتدويرها.
والدليل الأوضح هو ما بعد 17 تشرين 2019، انهارت الليرة، تبخرت الودائع، انفجر المرفأ، ودخلنا حرباً، ومع ذلك، لم يسقط النظام، لماذا؟ لأنه لا يوجد نظام أصلاً، بل توازن رعب طائفي. كل طرف يخشى سقوط الآخر، لأن سقوطه يعني سقوط الجميع، فبقوا جميعاً ممسكين بحبات المسبحة المقطوعة.
الخاتمة: هل من مخرج أم أن الخيط انقطع؟
أمام هذا الواقع، تبدو السيناريوهات الثلاثة التالية هي الأكثر واقعية:
السيناريو الأول: استمرار المداورة حتى الانهيار الكامل
يبقى الوضع على ما هو عليه، حكومات تصريف أعمال، فراغ رئاسي متقطع، اقتصاد ريعي منهار، وحروب بالتقسيط، المسبحة تُمسك بها اليوم اليد الشيعية، لكنها قد تنتقل غداً إذا تغيرت موازين الإقليم، المشكلة أن الخيط نفسه اهترأ، وقدرة النظام على “إعادة الإنتاج” تتآكل.
السيناريو الثاني: تسوية إقليمية جديدة تُعيد توزيع الحصص
كما حدث في الطائف والدوحة، قد تفرض تسوية أمريكية-إيرانية-سعودية صيغة جديدة، يُعاد توزيع الحصص، ربما عبر “مؤتمر تأسيسي” أو تعديل دستوري، تُسلَّم المسبحة لتركيبة جديدة، قد تكون “ثلاثية” أو “مدنية” شكلياً. لكن جوهر المحاصصة يبقى، ويتم تأجيل الانفجار جيلاً آخر.
السيناريو الثالث: كسر الحلقة وبناء دولة المواطنة
وهو السيناريو الأصعب والأقل حظاً، يتطلب نخبة جديدة عابرة للطوائف، وضغطاً شعبياً غير طائفي، ودعماً خارجياً غير مشروط، يعني الانتقال من “دولة الطوائف” إلى “دولة المواطن” عبر قانون انتخابي خارج القيد الطائفي، قضاء مستقل، وإلغاء الطائفية السياسية، لكن من يملك الجرأة لقطع الخيط؟ فكل زعيم طائفي يعرف أن شرعيته مستمدة من بقاء المسبحة.
والسؤال الذي يجب أن ننتهي به ليس “من يمسك المسبحة اليوم؟”، بل: هل المشكلة في الحبات أم في الخيط الذي يجمعها؟
بمعنى آخر: هل الأزمة في الطوائف نفسها، أم في نظام حوّل الانتماء الطائفي من هوية ثقافية إلى شركة مساهمة سياسية، يتقاسم أرباحها الزعماء ويدفع خسائرها المواطنون؟
طالما بقي الجواب غائباً، ستبقى المسبحة تدور… حتى تنفرط نهائياً.




