مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، جالت “سفير الشمال” في عدد من أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت لمعاينة حجم الأضرار على الأرض. منذ اللحظة الأولى، يفرض الدمار نفسه على المشهد: أبنية سُوّيت بالأرض، أخرى متصدّعة تهدّد بالسقوط، شرفات متدلية، وسيارات ما زالت مدفونة تحت الركام أو متناثرة حطاماً على جوانب الطرق. في بعض الشوارع، لم يعد بالإمكان التعرّف إلى المعالم، إذ تبدّلت الجغرافيا بالكامل تحت وطأة الاستهداف الكثيف.
غير أن ما تعجز الصور عن نقله هو ثقل الأذى النفسي. صمت يخيّم على المكان، ليس هدوءاً طبيعياً بل فراغاً مثقلاً بالصدمة، يقطعه بين الحين والآخر صوت إزالة الركام أو نداءات الأهالي ما جرى تجاوز كونه عملاً عسكرياً، ليطال الاستقرار النفسي للسكان ويترك ندوباً عميقة في الذاكرة الجماعية.
ميدانياً، تبيّن أن البنية التحتية تلقّت ضربات قاسية. الكهرباء مقطوعة في عدد واسع من الأحياء، فيما خدمات أساسية أخرى تعاني شللاً شبه كامل، ما يزيد من صعوبة العودة ويعقّد أي محاولة لاستئناف الحياة اليومية.
عودة خجولة وحذر يطغى على المشهد
على مستوى عودة السكان، ورغم إعلان وقف إطلاق النار، لم تُسجّل عودة واسعة. الحركة لا تزال محدودة، وغالبية من حضروا اكتفوا بجولات سريعة لتفقّد منازلهم قبل المغادرة. عدد كبير من أبناء الضاحية فضّل التريّث، في ظل مخاوف جدية من هشاشة الوضع الأمني، إضافة إلى عدم صلاحية الكثير من المنازل للسكن الحذر هو العنوان الأبرز: لا مؤشرات على عودة الحياة الطبيعية، بل ترقّب ثقيل وقلق من أي تطور مفاجئ.
يقول أحد سكان حارة حريك لـ“سفير الشمال”:
“رجعنا نشوف شو ضل واقف من البيت بس ما عاد بيت، كل شي مكسّر.”
وفي شارع آخر، يقف شاب أمام متجره المدمّر قائلاً:
“الخسارة مش بس بالمحل، بكل شي حوالينا كيف بدنا نرجع نبلّش؟”
دعوات للتريّث وتأجيل العودة
بالتوازي، صدرت مناشدات تدعو الأهالي إلى عدم التسرّع في العودة، نظراً لخطورة الوضع الميداني ووجود أضرار جسيمة قد تهدّد السلامة العامة. وقد أسهمت هذه الدعوات في إبقاء شريحة واسعة من السكان خارج الضاحية، بانتظار اتضاح الصورة بشكل أكبر.
اليوم، تقف الضاحية الجنوبية أمام مرحلة ثقيلة من التقاط الأنفاس، محاولة استيعاب حجم ما خلّفته الحرب. دمار في الحجر، ووجع عميق في النفوس ومشهد مفتوح على أسئلة صعبة حول ما تبقّى، وكيف يمكن البدء من جديد.





