منزلق “الاعتراف” وتصفية الوجود: تداعيات سيادة الاحتلال على لاجئي فلسطين في لبنان!.. بقلم: د. محمد أبو طربوش

في ظل التجاذبات السياسية المتسارعة التي تعصف بالساحة اللبنانية، تبرز طروحات تتجاوز في خطورتها سياق الترتيبات الأمنية أو المناورات الدبلوماسية، لتلامس جوهر الثوابت الوطنية والقومية.

ولعل أكثر هذه الطروحات فجاجة وخطورة هي تلك التي تدفع بلبنان نحو “فخ” الاعتراف بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية؛ وهي خطوة لا تمثل انتحاراً سياسياً للدولة اللبنانية فحسب، بل تُعد بمثابة “رصاصة الرحمة” التي تُطلق على قضية اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فوق أراضيها.

أولاً: تقويض “حق العودة” وتجريف المرجعيات القانونية

إن أولى شظايا هذا الاعتراف المفترض ستصيب “حق العودة” في مقتل. فبمجرد أن يمنح لبنان – كدولة مواجهة ومضيفة – شرعيةً لسيادة الاحتلال على الأرض، فإنه يُقرّ ضمناً بسقوط صفة “الاحتلال” عنها، مما يمنح الكيان الغاصب تفويضاً قانونياً لإغلاق ملف العودة نهائياً، بالنسبة لمئات الآلاف في مخيمات الشتات، يتحول هذا الطرح من مجرد حبر على ورق إلى أداة لشرعنة اقتلاعهم التاريخي، وتحويل “مفتاح العودة” من استحقاق وطني مكفول دولياً إلى ذكرى من لجوءٍ بلا نهاية.

ثانياً: التوطين القسري.. من الهواجس إلى الواقع المفروض

لطالما شكل “رفض التوطين” حجر الزاوية في الدستور اللبناني ومحل إجماع وطني عابر للاصطفافات، انطلاقاً من حماية الهوية الفلسطينية وحفاظاً على التوازن الديموغرافي اللبناني الهش.

إلا أن الاعتراف بسيادة الاحتلال يضع لبنان أمام معضلة وجودية؛ فإسقاط حق العودة يعني تلقائياً تحويل الوجود الفلسطيني من “استضافة مؤقتة” إلى “إقامة دائمة” مفروضة بحكم الواقع.

هذا التحول ينقل القضية من إطارها السياسي الوطني إلى أزمة اجتماعية ومعيشية مستدامة، مما يشرع الأبواب أمام مشاريع التوطين المقنّع أو التهجير المتجدد، وهو ما يهدد بإنتاج انفجارات كبرى في النسيج اللبناني والفلسطيني على حد سواء.

ثالثاً: تجريد اللاجئ من هويته السياسية وتحويله لـ “عبء إغاثي”

يكمن الخطر الإستراتيجي في هذا المنحى بمسعاه لتجريد اللاجئ الفلسطيني من صفته كـ “صاحب قضية وطنية” وحصره في إطار “المقيم المحتاج للمساعدة”.

هذا التجريف السياسي يهدف إلى إضعاف الموقف التفاوضي للفلسطينيين في لبنان، وتحويل المخيمات من قلاع للصمود والمطالبة بالحقوق إلى مجرد ساحات لتجاذبات دولية تسعى لتفتيت الكتلة البشرية اللاجئة، بما يخدم رؤية الاحتلال الصهيوني الرامية لتصفية قضية الشتات كلياً.

 مسؤولية تاريخية أمام منزلق خطير

إن أي مقاربة سياسية تدفع لبنان نحو هذا المنزلق، إنما تتجاهل عن قصد التلازم العضوي بين الاستقرار اللبناني والعدالة للقضية الفلسطينية.

إن الاعتراف بسيادة الاحتلال ليس مجرد “تنازل دبلوماسي”، بل هو شراكة في إعدام حقوق جيل كامل من اللاجئين، ونسف للمرتكزات الأخلاقية والقانونية التي قام عليها الموقف اللبناني.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن اجتراح سلام أو استقرار في المنطقة على أنقاض حقوق تاريخية لا تسقط بالتقادم، ولن ينجو لبنان من تداعيات ملف اللاجئين إلا بالتمسك الصارم بحقهم في العودة إلى وطنهم السليب؛ وطناً حراً بسيادة أصحابه، لا بشرعية محتليه.

 


Post Author: SafirAlChamal