لبنان بين الصمود والانزلاق.. هل تنجح استراتيجية الفتنة؟.. غسان ريفي

يزداد المشهدان السياسي والميداني تعقيدًا في ظل التطورات المتسارعة واستمرار التوتر على الجبهة الجنوبية رغم الهدنة التي يبدو أنها هشة، إضافة إلى الانقسام الداخلي حيال المفاوضات والمواجهة وكيفية إدارة الأزمة. 

في هذا السياق برز موقف المقاومة التي أكدت عدم التزامها ببنود البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو البيان الذي التزمت فيه السلطة اللبنانية من دون إعطاء أي توضيحات عن الجهة الرسمية التي ناقشته ووافقت عليه، ما يشير إلى إمكانية أن يكون البيان قد فُرض من قبل الأميركي من دون التشاور مع السلطة بحكم الصداقة المستجدة مع لبنان.

ما يجري في الجنوب خلال الهدنة لا يمكن فصله عن المعادلة التي أرستها المقاومة منذ بداية التصعيد، والقائمة على الرد على الاعتداءات الإسرائيلية. 

وقد جاء البيان الأخير للمقاومة الذي حمل “الرقم واحد” ليؤكد استئناف العمليات التي ستبقى قائمة ما دامت الخروقات الإسرائيلية مستمرة، وذلك في رسالة واضحة بأن قواعد الاشتباك لم تتغير، وأن أي محاولة لفرض وقائع جديدة لن تمر دون رد، وقد تُرجم ذلك سريعًا بإعلان المقاومة عن تفجير أربع دبابات ميركافا بواسطة العبوات الناسفة، وبإعلان العدو الإسرائيلي عن إصابة 37 جنديًا في غضون 24 ساعة. 

في المقابل، تسعى إسرائيل إلى الاستفادة من هامش الهدنة لتوسيع احتلالها وتدمير المباني وجرف الأراضي لفرض المنطقة العازلة التي تحدث عنها رئيس حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو، فضلا عن استمرارها في انتهاكاتها الجوية التي طالت العاصمة بيروت عبر المسيّرات، في مؤشر إلى رغبتها في إبقاء الضغط قائماً وتوسيع دائرة التوتر. هذا السلوك يعكس استراتيجية مزدوجة تقوم على تهديد لبنان باستئناف الحرب، ودفعه نحو خيارات سياسية ضعيفة بفرض شروط تفاوضية صعبة غير قادر على تحمل تداعياتها.

هذا الواقع يعكس غياب التكافؤ الحقيقي في هذه المفاوضات التي قد تكتفي فيها إسرائيل بمنح لبنان تمديدا للهدنة التي تخرقها يوميا عشرات المرات، مقابل فرض شروط تم تضمين بعضها في بيان وزارة الخارجية الأميركية لا تمتلك السلطة اللبنانية القدرة على رفضها أو تعديلها أو مواجهتها، في وقت تمتلك فيه المقاومة قرار الميدان. لكنها لا تمسك بمفاتيح القرار السياسي ما يؤدي إلى فجوة داخلية يستفيد منها العدو.  

في غضون ذلك، تتجه الأنظار إلى مفاوضات إسلام آباد والتي قد تفتح نافذة ضغط إيرانية على أميركا قد تنعكس إيجابًا على الساحة اللبنانية، إلا أن الرهان على النتائج يبقى محدودًا في ظل الخلافات الإقليمية الجوهرية التي تمنع التوافق على قواسم مشتركة، ورفض السلطة اللبنانية الاستفادة من أي عامل إيجابي مصدره إيران، ما يعمق الانقسام الداخلي بين من يجد في إيران داعمًا للموقف اللبناني المقاوم وبين من يرى أن تدخلها ينتهك السيادة، ويعتبر أن تدخل ترامب يحفظها.

الأخطر في المشهد الحالي هو المؤشرات المتزايدة على سعي إسرائيل إلى دفع لبنان نحو فتنة داخلية، عبر تكثيف الاستفزازات والاستفادة من بعض المواقف السياسية التي قدم سمير جعجع بالأمس نموذجا عنها، برفضه “تأجيل لقاء الرئيس جوزيف عون برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو”.

هذه الاستراتيجية الفتنوية، إن نجحت، ستمنح إسرائيل فرصة لتحقيق أهدافها من دون كلفة المواجهة المباشرة.

من هنا، وبحسب مصادر سياسية مطلعة “تصبح الوحدة الوطنية ضرورة ملحة لا مجرد خيار سياسي، باعتبارها السدّ الوحيد القادر على إحباط هذا المخطط. أما الذهاب إلى مفاوضات في ظل الانقسام القائم، ودون امتلاك أوراق قوة حقيقية، فلن يؤدي إلا إلى تكريس واقع أكثر هشاشة”.

يمكن القول، إن لبنان اليوم أمام مفترق طرق: فإما أن يذهب نحو تعزيز تماسكه الداخلي لمواجهة الضغوط الخارجية والخروقات الإسرائيلية، أو الانزلاق إلى مسار تفكك يخدم مصالح العدو ويقوض أي إمكانية لبناء موقف وطني جامع قادر على فرض شروطه في أي معادلة مقبلة.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal