بنت جبيل والخيام.. جغرافيا المقاومة وعقدة “بيت العنكبوت”.. وسام مصطفى

بعد خمسة وأربعين يوماً من المواجهات البرية ضد الاحتلال الصهيوني عند الحافة الأمامية للقرى الجنوبية، تبرز المعركة الدائرة في “بنت جبيل” لا كمجرد جولة قتالية عابرة، بل اختباراً حقيقياً تتكسر عليه أوهام الحسم السريع وخطط الشريط العازل، فما يجري في عاصمة التحرير، بالتوازي مع ملحمة الخيام في القطاع الشرقي، يرسم ملامح مرحلة جديدة من ملاحم المواجهة، انتقل فيها جيش الاحتلال من استراتيجية الإطباق الشامل إلى تكتيك الحصار الموضعي، ما يشكّل اعترافاً ضمنياً بفشل الخطط الأصلية التي وضعت عشية التوغل.

 

عند انطلاق “المناورة البرية” وفق تسمية الاحتلال، كان طموح العدو يتركّز على عزل منطقة بنت جبيل جغرافياً بالكامل، عبر قطع أوصالها عن العمق اللبناني، واعتمد في ذلك على محورين رئيسيين هما: محور “وادي العيون – حداثا” للالتفاف من الغرب، ومحور “عيترون – وادي السكيكية – السلوقي” للإطباق من الشرق، إلا أن الوقائع الميدانية أتت مغايرة؛ فبقيت “رشاف” عصيّة على التقدم وحجر عثرة أمام الوصول إلى حداثا، كما أن تعقيدات التضاريس وشراسة الدفاع في عيترون منعت وصول قوات الاحتلال إلى وادي السلوقي الاستراتيجي.

 

أمام هذا الفشل في عزل المنطقة اضطر العدو إلى خفض سقف أهدافه العملياتية، فانتقل من حصار القضاء إلى حصار مدينة بنت جبيل نفسها، وهو يحاول الإطباق عليها من جهاتها الأربع (دبل وعين إبل ورميش شمالاً، صف الهوا وعيناتا وعيترون شرقاً، يارون غرباً، ومارون الراس جنوباً). هذا التحول ليس مجرد تفصيل عسكري، بل هو إعلان عن نجاح المقاومة في إفشال “المناورة” الكبرى للعدو، وإجباره على التموضع في نقاط اشتباك ضيقة ومكلفة.

 

وبعيداً عن الرمزية التاريخية لبنت جبيل المرتبطة بخطاب “بيت العنكبوت” الذي ألقاه الشهيد السيد حسن نصر الله عام ٢٠٠٠، ثمة حاجة ميدانية حيوية تجعل من هذه المدينة “بيضة القبان” في الجبهة الجنوبية، فمنذ بدء الحرب، يعاني جيش الاحتلال من أزمة عمق حيث لم يستطع تجاوز سقف الـ 8 كلم في أحسن الأحوال (كما حدث في البياضة)، لكن الأزمة الأهم هي أزمة عرض الجبهة. فعلى امتداد ١٤٠ كلم من الناقورة إلى مزارع شبعا، لا يمكن للعدو وصل القطاعين الغربي والشرقي عسكرياً دون السيطرة المطلقة على مثلث بنت جبيل، وبدون هذه السيطرة، يظل “الشريط العازل” الذي يامل الاحتلال بإنشائه مجرد جيوب معزولة فاقدة للقيمة العسكرية، ولا تملك خطوط إمداد عرضية آمنة. 

 

تشكّل بنت جبيل عقدة الربط التي من دونها لا يمكن تثبيت أي واقع احتلالي، حتى لو كان بعمق ٦ كيلومترات فقط. وقد عمد العدو إلى استغلال الجغرافيا السياسية والديموغرافية، متخذاً من بلدتي “دبل” و”عين إبل” محوراً رئيسياً للتحشّد والانطلاق، ويهدف الاحتلال من وراء ذلك إلى تأمين ظهره في مناطق يراها “غير معادية”، محاولاً تحويل أي استهداف لمراكز تجمّعه هناك إلى إشكالية سياسية داخلية لبنانية.

ميدانياً، ينتهج العدو أسلوب الاستطلاع بالنار المكثف، حيث يدفع بآليات مسيرة (روبوتات) داخل الأحياء لكشف مكامن النيران، ويتبعها بمجموعات هندسية تدخل المباني الطرفية (مثل منطقة بنك عودة ومستشفى صلاح غندور) لتفخيخها وتفجيرها بهدف صناعة مشهدية انتصار إعلامية. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى تردّد كبير في الاقتحام الواسع؛ فالعدو ينشر قواته على أكثر من ١٤ نقطة حول المدينة بدل التركيز في رأس حربة خوفاً من الوقوع في كمائن “المساحات القاتلة” التي تجيد المقاومة إدارتها داخل المدن.

 

وعلى الرغم من القصف التمهيدي العنيف الذي استخدم فيه العدو الفوسفور والقنابل الثقيلة، وإقحام فرقتين عسكريتين (98 و162) في هذه المعركة، إلا أن قلب بنت جبيل ومعالمها الكبرى لا تزال عصية على الاحتلال (السوق: القلب التجاري والتاريخي، الملعب: المسرح الرمزي لخطاب النصر عام ٢٠٠٠، المسجد الكبير والبركة: مراكز الثقل الروحي والاجتماعي).

إن عجز العدو عن التثبيت في هذه النقاط، على الرغم من الاشتباكات العنيفة في “صف الهوا” وأطراف “عيناتا”، يثبت أن المقاومة لا تزال تدير المعركة من داخل المدينة عبر تكتيك “الدفاع المتحرك”، ما يؤدي إلى استنزاف القوات المتقدمة ومنعها من تحويل التوغل إلى احتلال مستقر.

 

لا ينفصل مشهد بنت جبيل عما يحدث في الخيام، فالمدينتان تمثلان الركائز الأساسية التي تمنع العدو من بناء واقع ميداني متصل. ففي الخيام فشل العدو في الالتفاف نحو دبين وبلاط باتجاه البقاع الغربي، وبقيت خطوط إمداد المقاومة من جهة الشمال فعالة. وهذا الفشل المزدوج في المدينتين الأكثر رمزية والأهمية جغرافياً يضعف الموقف الإسرائيلي التفاوضي، ويجعل من أي حديث عن “منطقة عازلة” مجرد وهم لا يجد له صدى على الخرائط الحقيقية.

 

إن ما نشهده في جنوب لبنان ليس معركة تقليدية بل فصلاً من فصول حرب شاملة تفتقر إلى أدنى مقوّمات التكافؤ العسكري البشري واللوجستي. مجموعات صغيرة من المقاومين لا يتجاوز عددهم العشرات في كل قطاع، تواجه آلة عسكرية ضخمة قوامها مئة ألف جندي مدججين بأحدث ما أنتجته مصانع السلاح في العالم، ومدعومين بغطاء جوي وبحري واستخباراتي يمسح الأرض بالسنتيمتر على مدار الساعة.

في هذه الحرب، لا تُقاس النتائج بعدد القرى التي دخلها العدو أو البيوت التي فجرها؛ فالأرض في المفهوم العسكري للمقاومة هي “مساحة اشتباك” وليست “حدوداً مقدّسة” يجب التمسك بها حتى الموت لا سيّما إذا كان التراجع التكتيكي يخدم استنزاف العدو. 

 

إن صمود المقاومة لأكثر من ٤٠ يوماً في وجه الزخم الناري الهائل هو فعل جبار يتجاوز المنطق العسكري التقليدي، وخسارة مبنى هنا أو تدمير حي هناك لا يعني خسارة المعركة، فالمعركة تُربح عندما يفشل المعتدي في تحقيق أهدافه السياسية والميدانية، وعندما يجد “جيش النخبة” نفسه عالقاً في وحل قرى الجنوب اللبناني وعاجزاً عن تأمين الشريط الذي وعد به مستوطنيه. 

إن ما يحصل في بنت جبيل والخيام هو كتابة جديدة للتاريخ العسكري، حيث تتفوّق إرادة الثبات على تكنولوجيا الدمار، ومرة جديدة يثبت المقاوم المتمترس في أرضه أن “بيت العنكبوت” لم يكن مجرد استعارة بلاغية، بل حقيقة ميدانية تتجسّد في كل ناحية من دساكر الجنوب الصامد.

Post Author: SafirAlChamal