غريب أمر الناس…
حين يُمس رمز ديني، تستيقظ فجأة كل مشاعر الغيرة، تُرفع الأصوات، وتُستنفر الجموع، وتكاد الكلمات تسبق الأفعال.
يصبح الدفاع عن الامور المقدسة معركة وجود، ويُختصر الدين أحياناً في ردة فعل غاضبة، لا تعرف ميزاناً ولا تمييزاً.
لكن، حين يقف رجل بحجم الرئيس الاميركي دونالد ترامب ليهاجم رأس الكنيسة الكاثوليكية قداسة البابا لاوون الرابع عشر ويدعوه باسمه، ويصفه بالضعيف… يسود صمت مريب. لا ضجيج، لا حملات غضب، لا دعوات انتقام… فقط عالم يتفرّج مع ردود فعل اعلامية خفيفة.
أيّ مفارقة هذه؟، وأي ميزان هذا الذي يشتعل هنا ويبقى مثلجاً هناك؟
هل أصبحت “الغيرة على الدين” انتقائية؟ أم أنها تُستدعى فقط حين يكون الخصم ضعيفاً، وتُطوى حين يكون قوياً؟.
في عمق المشهد، لا يبدو ما قاله ترامب رأي عابر، هو خطاب مدروس، يهدف إلى تكريس صورة القوة، حتى ولو كان ذلك على حساب رمزية دينية عالمية، هو لا يخاطب الكنيسة بقدر ما يخاطب جمهوره، قائلاً بلغة غير مباشرة: أنا الأقوى، وأنا من يضع المعايير بالاضافة الى محاولته الضغط الرمزي على مؤسسة دينية مؤثرة عالمياً في قضايا سياسية.
لكن في الجهة المقابلة، جاء الرد مختلفاً تماماً، لم يرفع البابا الصوت، ولم يدخل في سجال، بل اختار الصمت المعبّر.
صمت البابا الاميركي الجنسية ليس عجزاً، أمام رئيس أميركا بل موقف.
صمت يقول أن الهيبة لا تستعاد بالصراخ وأن المكانة لا تدافع عنها بالمناكفات، لذا قال بالامس البابا كلمته ومشى “لن ادخل في سجال” مؤكداً انه ليس خائفاً لا من ادارة ترامب ولا من التعبير بصوت عال وواضح عن تعاليم الانجيل.
بين صخب يملأ الفراغ ويمتشق القوة وصمت يختزن المعنى ويعمل حسب تعاليم انجيله يمكن التأكيد أن قوة الدين ليست بالضوضاء ولكن بالقدرة على البقاء فوق الضجيج؟ اذ
ليس كل غضب انتصار كما ليس كل صمت ضعف او هزيمة.




