بين شكل التفاوض وجوهره، ماذا يريد اللبنانيون حقاً!.. بقلم: د. رنا الجمل 

اليوم تنطلق المباحثات التمهيدية او الاجتماع الثلاثي الأولي في واشنطن بين سفيرة لبنان في الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوض والسفير الاسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية أميركية بحيث من المفترض ان يشكل هذا اللقاء مدخلا لبدء مفاوضات مباشرة كان قد دعا اليها رئيس الجمهورية في ٩ آذار ٢٠٢٦ والتي استجاب لها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في ٩ نيسان ٢٠٢٦.

الا ان الجدل في الداخل اللبناني لا يزال يدور حول مسألة شكل التفاوض: هل يكون مباشرا ام غير مباشر؟ وهل يسمح القانون اللبناني بذلك في ظل قانون مقاطعة اسرائيل؟ وهل يتطلب الأمر تعديلا قانونيا؟

في الواقع يظهر التاريخ ان لبنان خاض مفاوضات مباشرة سابقا مع اسرائيل دون اي تعديل قانوني أبرزها مفاوضات ١٧ أيار ١٩٨٣ الذي نص على انهاء حالة الحرب وانسحاب القوات الاسرائيلية، كما جرت مفاوضات في مطلع التسعينات ضمن اطار دولي بعد مؤتمر مدريد عام ١٩٩١ تمحورت حول تنفيذ القرار ٤٢٥ والانسحاب الاسرائيلي من لبنان قبل ان تتوقف لأسباب معروفة..

من هنا يبدو ان الاشكالية ليست في مبدأ التفاوض بحد ذاته بل في الصيغة التي يعتمد بها فمن الممكن ان تكون المفاوضات ضمن اطار دولي أو أممي مع مشاركة أطراف راعية أو وسيطة كما حصل سابقا و بالتالي فإن التركيز على”مباشر” أو “غير مباشر” يبدو اقرب الى نقاش شكلي في وقت يفترض ان ينصًّب الاهتمام الى جوهر التفاوض ومضمونه..

الشعب اللبناني اليوم لا يحتاج الى جدل نظري بل الى وضوح: ما هي مرجعية التفاوض؟ وما هو الهدف النهائي منه؟

هناك مرجعيات يمكن البناء عليها، ابرزها اتفاقية الهدنة عام ١٩٤٩ والتي نصت على وقف الاعمال العدائية و ترسيم الحدود وانشاء لجنة مشتركة لمراقبة الخروقات كما يبرز ايضا القرار ١٧٠١ الصادر عن مجلس الأمن الدولي الذي يدعو الى وقف الاعمال القتالية وتعزيز دور قوات اليونيفيل.

السؤال المشروع اليوم: لماذا لا تكون هذه الاتفاقيات نقطة الانطلاق لأي مسار تفاوضي جديد؟

المهم وقبل اي نقاش سياسي يجب ان يكون الهدف الأول للمباحثات التمهيدية اليوم هو التوصل الى وقف شامل لإطلاق النار على الاراضي اللبنانية فلا يمكن التفاوض تحت النار و لا يمكن القبول بحروب انتقائية تختلف فيها الجغرافيا و شدة النيران!!

لكن هاجس اللبنانيين اليوم حقيقة، هي هذه الفجوة في الالتزام، فالتجارب السابقة اثبتت أن العديد من القرارات الدولية والاتفاقيات لم تُحترم بالكامل وعلى رأسها القرار ١٧٠١ الذي التزم به الجانب اللبناني بشكل كبير فيما استمرت الانتهاكات من الجانب الآخر.

اليوم نقول ان نجاح هذه المفاوضات يتطلب اولا توحيد الموقف الداخلي عليها،

فالدولة اللبنانية مطالبة بوضع:

-برنامج تفاوضي واضح.

-مرجعية قانونية و سياسية محددة.

-تصور نهائي لما تريد تحقيقه.

هل الهدف هو:

-ترسيم الحدود البرية؟

-انسحاب كامل من الاراضي اللبنانية؟

-فك الأسرى؟

-وقف دائم للأعمال العدائية؟

-ام الذهاب نحو ترتيبات سياسية وأمنية؟

هذه الأسئلة لا يجب ان تبقى مفتوحة بل ينبغي الاجابة عليها بشفافية امام الرأي العام اللبناني..

في النتيجة هذا المسار لا يمكن فصله عن التوازنات الاقليمية والدولية بما في ذلك ملف البرنامج النووي الايراني والضغوط المرتبطة به رغم موافقة ايران على الرقابة الخارجية فيه والالتزام بالوكالة الدولية للطاقة الذرية واتفاق منع الانتشار النووي، اضافة الى اوراق جيوسياسية كمضيق هرمز والذي علينا ان نعلم قبل كل شيء انه مضيق طبيعي وبالتالي يخضع لمبدأ حرية الملاحة البحرية وان شن الحصار البحري عليه يخالف قانون البحار الدولي أولا..

و في ظل كل هذه التعقيدات اليوم نحن لا نريد ان يكون لبنان ساحة لصراعات الآخرين بل نريده دولة فاعلة تدافع عن سيادتها ومصالحها ضمن اطار دولي واضح واليوم يجب ان تقتصر المباحثات التمهيدية على هدف واحد وأساسي وهو وقف اطلاق نار شامل على الأراضي اللبنانية، ليبنى على الشيء مقتضاه..

اما الباقي فيحتاج الى رؤية واضحة وخارطة طريق شفافة لأن لبنان لم يعد يحتمل التخبّط ..

وفي الختام وبعيدا عن اجواء الحرب والسياسة و على سبيل الفكاهة، لفتتني مقولة تقول؛ ان الحرب الكيميائية بدأت منذ الاف السنين، يوم بدأت النساء باستخدام العطور لأسر الرجال..

فلا عتب على أحد.. لا على الدول ولا حتى على الأسلحة!!

 

الكاتبة: المحامية د. رنا الجمل.

أمينة سر الهيئة الوطنية لحقوق الانسان في لبنان.

 

Post Author: SafirAlChamal