فجّر قرار وزير خارجية “القوات” يوسف رجي بطرد السفير الايراني في بيروت محمد رضا شيباني قنبلة انشطارية شديدة التأثير على المستويين السياسي والشعبي في لبنان، فضلاً عما يثيره من تساؤلات جوهرية حول مشروعية هذا الإجراء في ظل الظروف الراهنة حيث يمر لبنان في مخاض سياسي وناري عسير يتجاوز بتهديداته المنطقة ليطال العالم كلّه.
أتى هذا القرار في وقت يتأرجح لبنان بين مسارين، الأول يعتمد المقاومة سبيلاً للمواجهة وصولاً لإفشال مشروع إسرائيل التوسعي، والثاني يعتمد الدبلوماسية والتفاوض مع الاحتلال حتى ولو كان ذلك تحت ضغط النار والعدوان، أما المسار الأكثر تأثيراً في سياق التطورات فهو الحرب الايرانية ضد الحلف الامريكي – الاسرائيلي، وهنا بيت القصيد.
لا شك في أن سحب اعتماد سفير دولة ما يعدّ من القرارات السيادية الكبرى التي ترتب تداعيات استراتيجية على علاقات هذه الدولة الخارجية وإلا فهو يُعد تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية الدولية، وفي حالة لبنان لا بد أن يسبقه تشاور وطني عريض أو يصدر بقرار عن مجلس الوزراء مجتمعاً، حيث يُفترض أن تعكس مثل هذه الخطوات إرادة الدولة ككيان موحد، وليس توجه فريق سياسي بعينه، ولعلّ افتقار هذا القرار للغطاء الشرعي الكامل يجعله عرضة للطعن السياسي والقانوني، ويضعه في خانة “الشطط” في استخدام السلطة ما يهدّد استقرار لبنان ويُعرّضه لتداعيات سلبية غير مبررة.
يمر لبنان بمنعطف تاريخي يتجاوز في خطورته المواجهات العسكرية المباشرة على الحدود؛ إذ يبدو أن المعركة انتقلت إلى غرف العمليات الدبلوماسية التي باتت تُدار بأجندات مشبوهة تضرب ما تبقى من هيبة الدولة وسيادتها، فإن قرار الوزير القواتي لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل هو زلزال سياسي متعمد، يهدف إلى تفجير جسور التواصل ووضع لبنان في مواجهة مباشرة مع دولة إقليمية كبرى مصنّفة صديقة للبنان، تلبيةً لرغبات خارجية لا ترى في لبنان سوى ساحة استعمارية، فكيف لو حاز هذا القرار على تقدير وتبجيل مسؤولي كيان عدو يعتدي منذ نشاته على بلدنا ويعتبر لبنان امتداداً جغرافياً لمشروعه الاستيطاني!؟
تتجلى إشكالية هذا القرار في مفهوم “السيادة الانتقائية” التي تمارسها بعض القوى في السلطة، فبينما يُهرع الوزير القواتي ومن خلفه رئيسه سمير جعجع وحلف “عوكر” للمطالبة بطرد السفير الإيراني بذريعة التدخل في الشؤون اللبنانية، نراهم يصمتون صمت القبور أمام التدخلات العلنية واليومية لسفراء “اللجنة الخماسية” وسفراء دول كبرى وفي مقدمتهم المندوب الترامبي. ولم ينبس هؤلاء ببنت شفة أزاء تدخل هؤلاء السفراء في أدق تفاصيل الدولة وصولاً إلى تعيين القضاة والضباط والتدخل في قرارات مجلس الوزراء.
إن السيادة التي لا تُمارس إلا في اتجاه واحد هي سيادة “مرتهنة”، وما هي إلا غطاء لتنفيذ إملاءات واشنطن وتل أبيب التي سارعت، عبر وزير خارجيتها، إلى مباركة هذه الخطوة، مما يضع الدولة اللبنانية في موضع “التابع” الذي ينفذ الأوامر الخارجية ضد مصلحته الوطنية.
إن التدقيق في المجريات يكشف عن مخطط ثلاثي الأبعاد يهدف إلى جر لبنان نحو الفوضى الشاملة وتخفيف الضغط عن العدو الإسرائيلي في جبهة الجنوب.
ففي البُعد الدبلوماسي يفتقر قرار طرد شيباني لأي غطاء وطني جامع، وإذا ما تم تنسيقه – كما ادعى جعجع – مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فهذا يضع السلطة التنفيذية في مأزق الاصطفاف الحاد.
وفي البُعد الميداني والنفسي فإن الترويج لرواية سقوط شظايا “صاروخ إيراني” في كسروان كان موجهاً نحو أهداف أمريكية، يهدف إلى زرع الخوف في المناطق المسيحية وتصوير السلاح وإيران كعدو للداخل، في حين أن الشظايا الحقيقية التي تقتل اللبنانيين يومياً هي شظايا صواريخ الاحتلال.
أما في البُعد الطائفي فإن المواقف التي يجري تسويقها لرفض جموع النازحين في بعض المناطق، وخصوصا ضد طائفة بعينها، فهي ترجمة ميدانية للخطاب التصعيدي الذي تقوده “قوات” جعجع، بهدف إثارة فتنة مذهبية تعيد لبنان إلى عصور المتاريس.
إن حكومة تتورط في قرارات دبلوماسية “انتحارية” تخدم مصلحة العدو، هي حكومة تفقد شرعيتها الأخلاقية والوطنية، وعليه فإن دور السلطة في لبنان في هذه اللحظة المفصلية يجب أن يكون حماية السلم الأهلي ومنع الانقسام، ورفض أي انحياز لفريق سياسي ينفذ أجندة خارجية تهدف إلى عزل لبنان عن محيطه الحيوي.
نعم لقد كان بالإمكان تفادي الكثير من الويلات لو التزمت “إسرائيل” بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة والالتزام بالاتفاقيات الدولية، كما أشار الرئيس جوزاف عون، ولكن بدلاً من الضغط على العدو، يتم الضغط على الداخل اللبناني عبر أدوات محلية باتت تعمل كـ “جنود وعبيد” للمصالح الأمريكية – الإسرائيلية.
إن لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما العودة إلى لغة الحكمة والروية، والتراجع الفوري عن القرارات المرتجلة التي تضرب السيادة والوحدة الوطنية، وإما الانزلاق الكامل نحو الفوضى التي لا رابح فيها سوى العدو الإسرائيلي، كما أن حماية سيادة لبنان لا تكون بالخضوع للإملاءات، بل بالتمسك بعناصر القوة الوطنية والوقوف سداً منيعاً أمام محاولات الفتنة. فهل يدرك الوزير وحلفاؤه أنهم يلعبون بالنار في بلد لا يحتمل المزيد من الرماد؟




