لبنان المتخبط في أزماته تنهار قطاعاته الواحد تلو الآخر، وخصوصا قطاع التربية والتعليم.
الدولة المتفرج والمساهم الأكبر في تفاقم مشاكل هذا القطاع الذي أصابته لعنة الفساد التي لم تقتصر فقط على بيع العلم بشهادات مزورة وحماية المرتكبين، بل على التخاذل والتهاون غير المسبوق بكرامة وحقوق الأساتذة المثبتين والمتعاقدين، ما جعلهم يتسولون لقمة العيش في مدارس يكاد بعضها لا يصلح أن يكون مخازن.
من أين يبدأ الشرح عن معاناة هذا القطاع؟
المدرسة الرسمية لم تعد ملاذ الفقير للتعلم، بل أصبحت مقبرة جماعية للأدمغة الناشئة، وأصبح قطاع التعليم متآكلاً ومهترئاً.
وما يزيد الطين بلة، أن الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة التربية لم يبنوا خططاً تصحيحية طويلة الأمد ولم يعتمدوا مقولة “الحكم إستمرار”، بل كل وزير يأتي يدّعي إصلاح ما أفسده سلفه، والضحايا هم الطلاب الذين يصلون دائما إلى نهاية العام الدراسي من دون إنهاء المناهج.
التعاطي الرسمي مع التربية يؤدي الى إيجاد أجيال مشتتة وبائسة، ما يجعل الهوة تتسع جدا بين المدرسة الرسمية والمدرسة الخاصة، والمجتمع متخبط بين متعلم درجة أولى ومتعلم درجة عاشرة في نفس الاختصاص وفي نفس السنة الدراسية.
كما أن هذه السياسات تجعل من المعلم ضحية، فالثابت يتقاضى الفتات، والمتعاقد من دون حقوق ولا ضمانات صحية وإجتماعية، ومنظومة التعليم الرسمي تربويا ومهنيا وأكاديميا في دوامة إنتظار عجيبة تبدل الواقع.
إنتظر المعلمون الموازنة، فجاءت مخيبة للآمال، فالنواب فاتهم أن يهتموا بالمعلم أو أن ينظروا الى حاله، وإنشغلوا بالاستعراض السياسي والكلام الشعبوي عشية الانتخابات، فزيادة 8 بالمئة لوزارة التربية ما هي إلا أرقام تشغيلية لا يمكن أن تصحح فجوة الأجور، أما الحكومة فتمعن في إغراق قطاع التعليم من دون أي خطة إصلاحية فيما الشعارات فقط للإستهلاك.
أسوأ ما في الأمر، أن يُنحر التعليم الرسمي على يد من يُفترض أن يشكل حماية له، فحتى الآن الإنجاز الوحيد في التربية هو تحديد موعد الإمتحانات الرسمية، أما تطوير المناهج وقدرات المعلم، والاستفادة من مساعدات الدول المانحة والاستثمار في الموارد، وإعداد خطط لإنصاف المتعاقدين، فكل ذلك في علم الغيب والى أجل غير مسمى.
لا يختلف إثنان على أن أولى مقومات قيامة لبنان ترتبط بتطوير قطاع التعليم وإنصاف أهله، فهل ستتحمل هذه الحكومة مسؤوليتها تجاه هذا القطاع؟ أم أنها عند الفشل الكبير ستستعين بـ”الذكاء الاصطناعي” الذي قد يقترح الرد على الإنتقادات والمساءلة بعبارة مُستخدمة وممجوجة لكنها تتصدر السياسة اللبنانية وهي “ما خلونا”!..




