خطاب جعجع.. نهج ميليشيوي لا يخدم مشروع بناء الدولة!.. وسام مصطفى

لا يحتاج الحديث عن سمير جعجع وقواته وخطابه وأدائه السياسي الداخلي إلى تمهيد ومقدّمات، فالرجل قد وصل إلى مرحلة حرجة جداً من العزل الذاتي بعد سلسلة طويلة من الاخفاقات مع سقوط طروحاته ومشاريعه وفشل محاولات فرض نفسه “زعيماً” على الساحة اللبنانية، فضلاً عن آرائه الملتبسة ومواقفه المتناقضة حيال القضايا والملفات الداخلية، ما جعل منه شخصاً متوتّراً باستمرار، فاقد الخيارات ومسدود الآفاق، مندفعاً إلى التخبّط يميناً ويساراً، فاتحاً الجبهات ضد الكلّ وكأنه يحرق أوراقه الأخيرة محاولاً إثارة الفوضى في كل مكان، فبدلاً من أن يخرج من قوقعته المعرابية تراه يحصر نفسه أكثر فأكثر في زوايا مهجعه المغلق ليستعدي الكلّ حتى نفسه.

لم يعد جعجع يرى في ضوء هذا التخبّط أياً من الخيارات المتاحة أمامه سوى إثارة الفتنة بين شرائح الشعب اللبناني وشرائحه السياسية والحزبية والطائفية، فصعّد من خطابه التحريضي الميليشوي مراهناً مرة أخرى على أن هذا الأسلوب قد يتيح له التموضع في مكان آمن، ويوفّر له نقاط قوة يوظّفها في تثبيت موقعه ضمن المنظومة اللبنانية، ويضمن له بالتالي الحفاظ على ما يعدّه إنجازاً تمثيلياً وفّرته له الانتخابات النيابية السابقة. 

ولعلّ مردّ خوف جعجع عائد إلى فشل حرب أيلول 2024 الإسرائيلية على لبنان في إحداث تغيّرات داخلية على المستويات السياسية والعسكرية والجغرافية والديمغرافية، وإدخال لبنان إلى العصر الإسرائيلي واستحضار أجواء ما بعد اجتياح العام 1982، وهو الذي كان يراهن عليه في حمله إلى سدة الرئاسة الأولى.

لم يجد جعجع بدّاً من إثارة الغبار والفوضى السياسية في البلد كلّه، فتارةً يلعب على وتر الشحن المسيحي ليهاجم خصومه المنافسين وعلى رأسهم التيار الوطني الحر، وتارةً يوعز لأبواقه الحزبية ووزرائه في الحكومة لإثارة الشارع السني بخطابات ومواقف استفزازية لا تحترم وجودهم وتاريخهم وتمثيلهم السياسي والشعبي، ومن ثم ينتقل إلى التصويب على رئيس مجلس النواب نبيه بري ويتّهم الرئيسين جوزف عون ونواف سلام بالتواطؤ معه لتأمين نصاب جلسة مجلس النواب غامزاً من زاوية استعادة عهد الترويكا والتسويات وضرب الدستور، في حين أنه وأبواقه أكثر من يمعن في انتهاك الدستور وخرق بنود وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) وذلك باستحضاره نذر الحرب الأهلية وتذكية نارها بتأليب اللبنانيين بعضهم على بعض والترويج لمشروع التقسيم الجغرافي والطائفي وضرب أسس الوحدة الوطنية.

كانت وثيقة الطائف قبل كل شيء اتفاقاً لترسيخ السلم الأهلي وإنهاء الحرب الداخلية في لبنان التي كانت تخوضها الميليشيات وتسيطر على مناطقها جغرافياً وطائفياً وتفرض الخوّات وتمارس عمليات القتل والخطف والاعتقال، وهذا ما كانت ميليشيا القوات تعمل على تكريسه واقعاً منفصلاً عن الدولة ضمن دويلة مسيحية انعزالية، ونفّذت لتحقيق هذه الغاية عمليات اغتيال طالت شخصيات وطنية كبيرة، رسمية وحزبية وسياسية، ولم تتورّع عن استهداف الجيش اللبناني ومصادرة مؤسسات الدولة، ويبدو أن هذه العقلية الميليشوية ما تزال تتحكم بمسار الرجل الذي لم يؤمن يوماً بمشروع النظام والدولة إلا إذا جاءت وفق طموحاته الضيقة المؤسسة على النزعة الطائفية والاستعلاء السياسي.

لم تعد المسألة بالنسبة لجعجع محصورة بتبنّي مطالب واشنطن وتل أبيب بنزع سلاح المقاومة بل تجاوزت ذلك إلى حد القطع بحتمية تجزئة لبنان طائفياً كواحدة من أهداف المشروع الأمريكي – الصهيوني المرسوم للمنطقة، كما أن استحضار لغة “قطع الرؤوس والرقاب” في تكرار للمقولة نفسها وبحرفيتها التي أطلقها المبعوث الأمريكي توم باراك!! ولئن يضع البعض هذه اللغة في خانة التعبير المجازي للموقف السياسي، إلا أن ربط هذه التعابير بالتماهي مع المواقف الإسرائيلية والأمريكية، وما يجري من اعتداءات وجرائم يومية يرتكبها العدو بحق لبنان ورفضه تطبيق بنود القرار 1701 وقرار وقف إطلاق النار، يأخذ بالكلام إلى ذاكرة الحرب الأهلية البشعة واللغة المقيتة التي كانت سائدة آنذاك وتأنفها غالبية الشعب اللبناني.

إنه العقل الميليشيوي الذي يتحكّم بجعجع وقواته وأبواقه السياسية والاعلامية، والتي لم تتوانَ عن تصنيف الشعب اللبناني إلى فئات وطبقات بحسب انتمائاتهم السياسية ومعتقداتهم الدينية، ومحاولة حصر القرار بيده وحده دون احترام المواقع القيادية والسياسية والروحية أو مراعاة الوجدان الشعبي، في حين أن المطلوب الاقلاع عن نهج الاستقواء والعودة إلى لغة التصالح مع الأهداف الوطنية الكبرى والدعوة إلى التلاقي ونبذ الخلافات بأشكاله ومستوياتها، أما أن يقدّم جعجع نفسه وقواته كياناً انفصالياً خارجاً عن بوتقة النظام والدولة، فهذا يعني الاتجاه إلى تبنّي نهج تخريبي لأركان الدولة وفكراً إلغائياً لمكوّنات الوطن، ولعلّه يستشرف أن مستقبله السياسي بات على المحك فهو غير قادر على حسم التوقّعات بشأن نتائج الانتخابات النيابية المقبلة وفق ما يريد، خصوصاً مع ضيق خياراته مسيحياً، وفشله في فرض نفسه والياً على القرار السنّي خصوصاً بعد سقوط مناوراته على أعتاب المجلس النيابي، وتبقى الخشية من أن يقدم جعجع على مناورات أخرى غير محسوبة حتى لو أدّى ذلك إلى اقتتال داخلي يسعى إليه لضرب الاستقرار واستعادة حكم الميليشيات وإسقاط مشروع الدولة.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal