إستحقاق بعبدا الرئاسي.. سجال المكونات حول الخيارات والتوجهات(3)… صبحي عبد الوهاب

لم يجانب المعلم كمال جنبلاط الحقيقة الواقعية حينما أشار في محاضرته التي تلاها في دار الفن والأدب في النصف الأول من تشرين الثاني / نوفمبر من العام ١٩٧٣ الى أن الأمر الذي لا يفيد التستير في إنكاره هو أن الإنقسام الى حد ما هو واقع الحياة اللبنانية في الصراع السياسي المصيري وفي الذهنية التي تمارس بها الأنظمة.

ويرى المؤرخ الدكتور كمال الصليبي بدوره وفي نفس المناسبة أن من حظ لبنان، كوطن قائم بذاته أو كجزء رائد من العالم العربي، أن الرأي والموقف ينقسمان فيه دائما ويشطرانه شطرين في وجه القضايا المصيرية. أما الإنقسام الطائفي فهو مرتبط عضوياً بالتركيبة الطائفية للمجتمع اللبناني. وهو صائب وخاطىء في آن. 

ويعود الإنقسام السياسي والدستوري الحاد ليتجدد عشية الإستحقاق الإنتخابي المتعلق بإختيار رئيس جديد للبلاد في هذا العام الجاري 2022 وهذا الإنقسام لا يرتبط في هذه المرحلة لا بوضع لبنان الخاص، ولا بإنفصاله عن باقي الدول العربية، ولا حتى بتميزه، بما له من طابع مسيحي متعارف عليه دولياً، مما يقضي بأن يكون رئيس جمهوريته ممهوراً بهذا الطابع، ولا بالإعتبار البديهي أن في لبنان المعاصر تقليد آخر يدعم هذا الانطباع، وهو كون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً ويقضي هذا التقليد ذاته أن يكون رئيس الوزارة مسلماً سنياً ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً وفقاً للتوصيف المعتمد من الدكتور ملحم قربان في الصفحات ٥٠ و ٥١ من مؤلفه الأكاديمي الذي يتناول فيه “تاريخ لبنان السياسي الحديث”، ولا أيضا حول الآلية التي نص عليها الدستور في كيفية إنتخاب الرئيس، بل في الإنقسام المسبق حول “الصلاحيات” التي يتمتع بها الرئيس العتيد، وترجمته العملية لتلك الصلاحيات التي تقلصت بفعل إتفاقية الوفاق الوطني في الطائف، والتعديلات الدستورية التي رافقتها، والتي باتت مختلفة عما كانت عليه في المراحل التاريخية السابقة، على المستويين السياسي والدستوري، بحيث يمكن الإشارة الى أن رئيس الجمهورية اللبنانية كان “ملكاً ” بموجب الدستور، له صلاحيات واسعة لم يملكها أي رئيس دولة في العالم. فقد نصت المادة ١٧ قبل تعديلات العام ١٩٩٠ “تناط السلطة الإجرائية برئيس الجمهورية وهو يتولاها بمعاونة الوزراء وفقا لأحكام الدستور” فليس للوزراء إلا صفة “معاونة” للرئيس لا “مشاركته” والحقيقة لم يتعامل مع مجلس الوزراء كمؤسسة، فالمادة ٥٣ من الدستور ما قبل العام ١٩٩٠ نصت على أن “رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيسا ويقيلهم”. ويبقى هذا الدور الممنوح لرئاسة الجمهورية حينذاك لا يطرح فقط مشاكل دستورية تتعلق بالتوازن بين السلطات والانسجام في عمل أجهزة الدولة المختلفة، بل من شأنه أن يكرس هيمنة مارونية متشددة على بقية الطوائف اللبنانية.  

ويشير محمد زعيتر بهذا الصدد في الصفحة ٤٥٤ من مؤلفه “المارونية في لبنان – قديما وحديثا” الى أن القيادات المارونية قد درجت على إعتبار وجود الكيان اللبناني نفسه والصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية الماروني مسالتين مترابطتين. وفي هذا الصدد قال بيار الجميل في تصريح له عام ١٩٦٩ “في اليوم الذي إتفقنا على تركيبة هذا البلد، حددنا دور رئيس الجمهورية، فلا يمكن بالتالي أن ندخل في سجال حول صلاحيات رئيس البلاد من دون المخاطرة بطرح وضع لبنان برمته على بساط البحث من جديد”. وبالرغم من ذلك كله فقد حافظت وثيقة الطائف على المضمون الطائفي للنظام اللبناني وأبقت على الموقع الممتاز للموارنة في الحكم الذي لم يقتنع به الجنرال ميشال عون حينما كان رئيسا للحكومة العسكرية وتعززت لديه روح الممانعة وبقيت متأصلة في مواقفه السياسية سواء أكانت على المستوى النيابي أو من خلال موقعه في سدة الحكم رئيساً للجمهورية، فقد أبدى خلال زيارته للعاصمة السورية في كانون الأول/ ديسمبر من العام ٢٠٠٨ واثناء محاضرته في جامعة دمشق قائلا: “هناك تحفظات عدة على إتفاق الطائف منها بعدم التوازن بين سلطات ومؤسسات الدولة اللبنانية مثل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والمستفيدون من الطائف جعلوه كتاباً مقدساً كما كانت هناك خروقات كبرى في تنظيم الدولة كرسها هذا الإتفاق أو ألحقت به، وندعو الى أن يكون التعديل في ظل ظروف تستوجب التعديل. ونامل أن نتمكن من الحصول على أغلبية نيابية حتى نجري التعديلات اللازمة عليه في شكل نحافظ فيه على وحدتنا الوطنية. لأن ما سنقوم به ضروري لإستقامة الأوضاع وممارسة الحكم بشكل سليم. 

وكان خيار التعديل قد رافقه منذ توقيعه على “ورقة التفاهم” بين التيار الوطني الحر حينما كان رئيسا له وحزب الله ممثلاً بأمينه العام السيد حسن نصر الله في السادس(6) من شباط/فبراير من العام 2006 في كنيسة مار مخايل على تخوم الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، بحيث تضمنت “ورقة التفاهم” كل الأساسيات التي يرتكز عليها الوفاق الوطني ولم تشر لا من قريب ولا من بعيد الى “وثيقة الوفاق الوطني” التي وقّع عليها نواب الأمة في الطائف في المملكة العربية السعودية في العام 1989 وتضمنت “ورقة التفاهم” الكثير من المفردات والمصطلحات السياسية التي تسمح بالحديث عن فك الإرتباط بوثيقة الطائف وتتعزز من خلالها تطلعات الرئيس عون بإدخال “تعديلات” أو “تصحيحات” ربما من شأنها أن تكون السبيل الوحيد لإيجاد الحلول للأزمات التي يتخبط فيها لبنان، وذلك على قواعد ثابتة وراسخة، وتشكل إنعكاساً لإرادة توافقية جامعة، تعتمد الشفافية والصراحة، وتغليب المصلحة الوطنية على أي مصلحة أخرى، بالاستناد الى إرادة ذاتية، وقرار لبناني حر وملتزم يشمل كل القضايا ذات الطابع الوطني، والتي تقتضي التوافق العام”. ولكن على ماذا سيتم التوافق؟ هل بالعمل على تجاوز “إتفاقية الطائف” أو حتى الوصول الى إلغائها؟ وإلا ماذا تعني مصطلحات “الإرادة الذاتية” و”القرار اللبناني الحر” ألم يكن الذين وقعوا على إتفاقية الطائف “أحراراً” حينذاك؟ ومع ذلك تبقى الديموقراطية التوافقية القاعدة الأساس للحكم في لبنان، لأنها التجسيد الفعلي لروح الدستور، ولجوهر ميثاق العيش المشترك. من هنا فإن أي مقاربة للمسائل الوطنية وفق معادلة الأكثرية والأقلية تبقى رهن تحقق الشروط التاريخية والاجتماعية للممارسة الديموقراطية الفعلية التي يصبح فيها المواطن قيمة بحد ذاته، وأن بناء دولة عصرية تحظى بثقة مواطنيها وقادرة على مواكبة احتياجاتهم وتطلعاتهم وعلى توفير الشعور بالأمن والأمان على حاضرهم ومستقبلهم، يتطلب النهوض بها على مداميك راسخة وقوية لا تجعلها عرضة للاهتزاز وللأزمات الدورية كلما أحاطت بها ظروف صعبة، أو متغيرات مفصلية. ونرى في ذلك دلالة دامغة على وجود أزمة في المؤسسات الدستورية اللبنانية تناولها الدكتور عصام سليمان بتاريخ 18 حزيران/ يونيو 2007 في الصفحة التاسعة(9) من صحيفة “النهار” فإعتبر أن الممارسة السياسية التي تحكمت في أداء المؤسسات الدستورية لا يمكن فصلها عن الذهنية السياسية السائدة، والتي تتعاطى مع السياسة على أساس وسيلة كسب مادي ومعنوي. وليست وسيلة لإدارة الشأن العام بما يؤدي الى ترسيخ الوحدة الوطنية وتحصين الدولة، وتحصين مناعة المجتمع، وتوفير شروط العيش الكريم لأبنائه. هذه الذهنية هي التي إستبدت بالممارسة السياسية في غياب مشروع جدي لإعادة بناء الدولة على أسس صحيحة. وفي غياب المحاسبة السياسية التي لا تستقيم الديمقراطية بدونها . وقد أصرّ أحد كبار القانونيين والمفكرين الدكتور إدمون رباط في ورقته التي تناول فيها “لبنان والبنية الطائفية” في دار الفن والأدب في العام 1985 على أن المعضلة اللبنانية والمأساة الناجمة عنها تكمن في إعتلال بنيتنا الداخلية، هذه البنية التي نطلق عليها تجاوزاً إسم “الشعب اللبناني” وأن اللبناني في أوضاعه الحاضرة لا وجود له ولا عيش كمواطن إلا من خلال طائفة من (الطوائف) الدينية المعترف بها رسمياً. 

وبالرغم من الشعارات السياسية الشفافة التي تتلبسها الأحزاب والفئات المتصارعة فإننا نتبين، لدى كل منها، بوضوح الجذور الطائفية العميقة التي تتجسد في أمانيهم وميولهم وطموحاتهم، إن كلاً من هذه الطوائف صغيرها وكبيرها ، بلا إستثناء، تمثل كياناً ذا طاقة، لا يمكنها معه بفعل قوة دافعة تحركها أن تتخلى عن عدائيتها للطوائف الأخرى، وبالتالي، إلا أن تكون منغلقة على ذاتها، بالنسبة للمجموع. وفي زمن الأزمات، أياً كانت درجة المخاوف التي تثور في النفوس، فإن الجهود المبذولة للحفاظ على التوازن بين الطوائف، تهتز وتدخل في مرحلة من عدم الإستقرار فتتحول الطائفية الى متفجرات إجتماعية مدمرة. وهذا ما دفع أحمد جابر وهو كاتب لبناني في الصفحة (17) من جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 7 آذار/ مارس 2006 الى أن يستخلص أن التماهي “الوجودي” بين “المارونية السياسية” وموقع رئاسة الجمهورية؟ وما حال “الشيعية السياسية” وسلاحها الضمانة؟ وأين تقع نقطة إرتكاز “السنية السياسية” إذا إهتزت نقطة “حقيقتها”؟ الإجابة ليست أقل من الخوض في حديث الضمانات الطوائفية المتبادلة، قبل البحث في نقاش قدرة كل طائفة على تقديم التنازل عن شيء من حصتها تعين على الوصول الى ضمانة مستقرة ومأمونة.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal